رغم الدمار الذي يحيط بكل زاوية من قطاع غزة، ورغم الجوع الذي يطرق أبواب البيوت مع استمرار العدوان والحصار الإسرائيلي، تصر رانيا مراد على الاحتفاظ بزاوية صغيرة من قلبها للرحمة التي لا تعرف حدودًا. وسط أزقة المدينة المدمّرة، حيث رائحة الغبار والبارود تملأ الأجواء، يمكن رؤيتها تحمل بضع فتات من الخبز أو ما توفر من بقايا الطعام، متوجهة إلى مجموعة من القطط التي تنتظرها عند زاوية الحي.
رانيا، التي بالكاد تجد ما يسد رمق أسرتها، لم تتخل عن عادة إطعام هذه القطط منذ سنوات، لكنها اليوم تفعل ذلك في ظروف تكاد تكون مستحيلة. تقول بابتسامة متعبة إن هذه الحيوانات “لا ذنب لها في حرب البشر، وهي مثلي تبحث عن الأمان والدفء”. بالنسبة لها، إطعام قطة جائعة هو شكل من أشكال المقاومة الإنسانية، ورسالة بأن القسوة التي تحاصر غزة لم تستطع أن تنتصر على قلبها.
القدرة على العطاء
القطط، التي كانت يوماً تجوب الشوارع بحرية، باتت تختبئ بين الركام، تخرج بحذر حين تسمع صوت خطوات رانيا. بعضها فقد بريق عينيه من المرض والجوع، لكنها ما زالت تلمح في نظراتها رجاءً صغيرًا. وفي كل مرة تمد يدها بالطعام، تشعر أن هذا الفعل البسيط يعيد إليها إحساسًا بالقدرة على العطاء، في زمن يُراد فيه للناس أن يفقدوا إنسانيتهم.
في غزة، حيث الخبز شحيح والماء نظيف نادر، تصبح لقمة تُقدَّم لقطة جائعة فعل بطولة صامت، لا يراه كثيرون، لكنه يترك أثره العميق في روح من يعطي ومن يتلقى على حد سواء.




