في خطوة قضائية غير مسبوقة منذ الإطاحة به، أصدرت السلطات القضائية السورية مذكرة توقيف غيابية بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد، الفارّ إلى روسيا منذ ديسمبر/ كانون الأول 2024، متهمة إياه بالقتل العمد والتعذيب المؤدي إلى الوفاة والحرمان من الحرية، على خلفية أحداث درعا عام 2011.
ويأتي هذا التطور اللافت قبل أسابيع قليلة من الزيارة المرتقبة للرئيس السوري الحالي أحمد الشرع إلى موسكو للمشاركة في القمة العربية – الروسية، ما يضفي على التحرك القضائي أبعادًا سياسية ودبلوماسية دقيقة.
اتهامات ثقيلة.. وتفعيل للملاحقة الدولية عبر الإنتربول
أصدر قاضي التحقيق السابع في دمشق، توفيق العلي، مذكرة توقيف غيابية بحق الأسد، مرفقة بقائمة من التهم التي تشمل «القتل العمد»، و«التعذيب المؤدي إلى الوفاة»، و«الحرمان من الحرية»، وهي تهم ترتبط مباشرة ببداية الانتفاضة الشعبية في محافظة درعا جنوبي البلاد عام 2011.
وبموجب الإجراءات القضائية، سيتم تعميم المذكرة عبر منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، ما يفتح الباب أمام ملاحقة الأسد قانونياً على المستوى الدولي، رغم وجوده تحت حماية موسكو.
ظلال ثقيلة على الزيارة المرتقبة إلى موسكو
لم يتأخر التساؤل في الأوساط السياسية والدبلوماسية السورية والروسية حول تأثير هذه المذكرة على العلاقات بين دمشق وموسكو، خصوصاً أن روسيا تولي اهتماماً كبيراً للزيارة المنتظرة للرئيس الشرع منتصف أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
وكان نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك قد زار دمشق قبل أسبوعين على رأس وفد رفيع، مؤكداً أن «موسكو ترى في الزيارة المقبلة فرصة لفتح صفحة جديدة وتعزيز الشراكة الاستراتيجية»، غير أن إعلان المذكرة قبل هذه الزيارة يضع القيادة الروسية أمام اختبار صعب بين التزاماتها القانونية الدولية وحساباتها السياسية مع دمشق.
المذكرة الثانية خلال شهر واحد.. وهذه المرة من الداخل السوري
تُعدّ هذه المذكرة هي الثانية التي تصدر بحق بشار الأسد خلال أقل من شهر، بعد أن كان القضاء الفرنسي قد أصدر مذكرة توقيف بحقه مطلع سبتمبر (أيلول) الجاري في قضية جرائم ضد الإنسانية تتعلق بمقتل صحافيين فرنسيين في سوريا عام 2012.
لكن الفارق الجوهري هذه المرة أن المذكرة صادرة من داخل سوريا نفسها، ما يمنحها رمزية سياسية كبيرة، ويعكس تغيّراً في مقاربة السلطات السورية الجديدة للتعامل مع إرث الحقبة السابقة.
ويرى الدكتور عماد الجندي، أستاذ القانون الدستوري في جامعة دمشق، أن إصدار المذكرة من القضاء السوري «يحمل دلالة سياسية داخلية قوية»، إذ تسعى القيادة الحالية إلى التأكيد على أن «العدالة ستطال الجميع، بمن فيهم رأس النظام السابق».
ويعتبر أن هذه الخطوة «تعزز من شرعية النظام الجديد أمام الرأي العام المحلي والدولي».
إحراج لموسكو على الساحة الدولية
يقول المحلل السياسي الروسي ألكسندر إيفانوف إن المذكرة السورية «تضع الكرملين في موقف دقيق»، موضحاً أن «استضافة موسكو لشخص ملاحق من قبل القضاء السوري والفرنسي في آن واحد، سيحرجها أمام شركائها العرب والأوروبيين، خصوصاً عشية القمة العربية – الروسية».
ويشير الباحث في الشؤون الإقليمية فادي العلي إلى أن هذه المذكرة «قد تؤثر على مسار التطبيع التدريجي بين سوريا وعدد من الدول العربية»، موضحاً أن «بعض العواصم التي بدأت الانفتاح على دمشق، قد تتريث أو تعيد حساباتها بانتظار وضوح الموقف الروسي من الأسد».
ويعتقد الخبير السوري المعارض ناصر الكردي أن توقيت إصدار المذكرة «ليس عشوائياً»، مشيراً إلى أن «فريق الرئيس أحمد الشرع يسعى إلى إزالة العقبات أمام إعادة دمج سوريا في النظامين العربي والدولي، ولا يمكن تحقيق ذلك من دون معالجة ملف الأسد قضائياً».
ويرى أن «إصدار المذكرة قبل زيارة موسكو يوجّه رسالة إلى الروس بأن صفحة الماضي لن تُطوى من دون محاسبة».
وتوضح المحامية الدولية ريم نوفل أن تعميم المذكرة عبر الإنتربول «لا يعني بالضرورة أن روسيا ستتعاون في تنفيذها»، لأن موسكو «ليست ملزمة قانوناً بتسليم الأسد»، لكنها تشير إلى أن وجوده في الأراضي الروسية «سيجعله عرضة لمزيد من الضغوط السياسية والدبلوماسية، خاصة إذا تحركت أطراف أوروبية لدعم المذكرة السورية».






