في مشهد يعكس تمسك الفلسطينيين بمسارات العمل الديمقراطي رغم التعقيدات السياسية والاقتصادية، توجه الفلسطينيون، اليوم، إلى صناديق الاقتراع لاختيار ممثليهم في الهيئات المحلية، في انتخابات تُعد اختبارًا جديدًا لقدرة النظام المحلي على الاستمرار والتجدد. وتأتي هذه الانتخابات في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع التحديات الميدانية مع الأزمات المعيشية، ما يمنحها أبعادًا تتجاوز كونها استحقاقًا إداريًا إلى كونها مؤشرًا على حيوية المجتمع الفلسطيني وقدرته على إعادة تنظيم شؤونه الداخلية.
رسالة عباس للعالم
وأدلى رئيس دولة فلسطين محمود عباس، اليوم السبت، بصوته في انتخابات الهيئات المحلية لعام 2026، بمركز الاقتراع في مدرسة المستقبل الصالح بمدينة البيرة. وقال الرئيس عقب الإدلاء بصوته: “نحن أولا سعداء جدا بأننا قادرون على ممارسة الديمقراطية رغم كل الصعاب التي تواجهنا محليا ودوليا، وبالتالي كنا حريصين كل الحرص على أن تجري الانتخابات في مواعيدها رغم كل شيء”.
وأضاف : “لذلك نحن سعداء بانتخابات الشبيبة أولا، ثم الآن الانتخابات المحلية، ثم في 14 من الشهر المقبل نحتفل بمؤتمر حركة فتح، ثم في شهر 11 انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، حيث ستجري كلها خلال هذا العام.. نقول للعالم نحن ديمقراطيون، ونحن نؤمن بالديمقراطية وبالتعددية ونستحق دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
وتابع الرئيس: في هذه الظروف غزة تتعرض لحرب يومية وأيضا محاولات لفصلها، وهذ لن يسمح به شعبنا ولا أهلنا ولا أحد في الدنيا، وغزة جزء لا يتجزأ من دولة فلسطين، ولذلك عملنا بكل الوسائل على أن تكون في دير البلح انتخابات لنؤكد وحدة شطري البلد مع بعضهما البعض وسيتم هذا، على أمل أنه عندما تهدأ الأمور تتم الانتخابات في كل قطاع غزة.
وتشمل الانتخابات 183 هيئة من أصل 420 في الضفة الغربية، إلى جانب بلدية دير البلح في قطاع غزة، في خطوة تُعد اختبارًا جديدًا للحياة الديمقراطية المحلية في ظل ظروف سياسية واقتصادية معقدة. ودُعي للمشاركة في هذه الانتخابات نحو مليون و40 ألف ناخب وناخبة، يشكلون ما نسبته 67% من إجمالي المسجلين في سجل الناخبين، وسط توقعات بمتابعة واسعة لمستوى الإقبال ونسب المشاركة خلال يوم الاقتراع.
انتخابات لأول مرة منذ 22 عامًا
وفي قطاع غزة، يكتسب الاقتراع في بلدية دير البلح أهمية خاصة، كونه يُنظم لأول مرة منذ 22 عامًا، حيث يُسمح للناخبين بالإدلاء بأصواتهم في واحدة من أقل المدن تضررًا نسبيًا بعد حرب الإبادة الإسرائيلية التي استمرت على مدار عامين، ما يمنح العملية بعدًا استثنائيًا في سياق إعادة ترتيب الأوضاع المحلية.
وأكدت لجنة الانتخابات المركزية، أمس الجمعة، استكمال جميع الترتيبات اللازمة لإجراء العملية الانتخابية، مشيرة إلى أن مراكز الاقتراع ستفتح أبوابها من الساعة السابعة صباحًا وحتى السابعة مساءً، لاستقبال الناخبين في مختلف المناطق. وأوضحت اللجنة أن عملية التصويت ستتم بشكل شخصي باستخدام الهوية الفلسطينية، وفق آلية تتيح للناخب اختيار قائمة واحدة فقط ضمن المجالس البلدية، مع إمكانية تحديد عدد من المرشحين داخل القائمة ذاتها.
إعلان نسب المشاركة بشكل دوري
كما أشارت إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات لضمان نزاهة وسرية العملية الانتخابية، من بينها منع إدخال الهواتف المحمولة إلى مراكز الاقتراع، وعدم استخدام الحبر الانتخابي في الضفة الغربية، إضافة إلى تسهيل مشاركة كبار السن وذوي الإعاقة عبر السماح بمرافقة من يختارونه.
وبيّنت اللجنة أنها ستعلن نسب المشاركة بشكل دوري كل ثلاث ساعات خلال يوم الاقتراع، على أن تعقد مؤتمرًا صحفيًا في اليوم التالي لإعلان النتائج الرسمية. وتُجرى الانتخابات وفق قانون جديد أُقر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، يعتمد نظام التمثيل النسبي بالقائمة المفتوحة في المجالس البلدية، ونظام الأغلبية عبر الترشح الفردي في المجالس القروية، في محاولة لتعزيز التمثيل وتوسيع قاعدة المشاركة.
توزيع أكثر عدالة للمقاعد
وينص القانون على ضرورة حصول القوائم على نسبة حسم لا تقل عن 5% لدخول عملية توزيع المقاعد، التي تُحتسب وفق نظام “سانت لوجي”، وهو نظام رياضي يُستخدم لتحقيق توزيع أكثر عدالة للمقاعد بما يعكس حجم الأصوات التي حصلت عليها القوائم المختلفة، مع مراعاة تمثيل النساء والتوازن الديني.
وبحسب بيانات لجنة الانتخابات، تُجرى المنافسة في 90 مجلسًا بلديًا عبر 321 قائمة انتخابية تضم 3773 مرشحًا، بينهم نحو 1200 امرأة، فيما تشكل القوائم المستقلة الغالبية بنسبة 88% مقابل 12% فقط للقوائم الحزبية. أما في المجالس القروية، فتُجرى الانتخابات في 93 مجلسًا، يتنافس فيها 1358 مرشحًا، من بينهم 309 نساء، بينما تتصدر النساء رئاسة 8 قوائم انتخابية. وفي المقابل، سيُحسم تشكيل 197 هيئة محلية بالتزكية، بينها 42 مجلسًا بلديًا و155 مجلسًا قرويًا، في مؤشر على تفاوت مستوى التنافس الانتخابي بين المناطق.




