في موقف يعكس تصعيدًا سياسيًا جديدًا بالتوازي مع التوتر العسكري المستمر، أعلن الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم رفضه القاطع لأي تفاوض مباشر بين السلطات اللبنانية وإسرائيل، واصفًا هذا المسار بأنه «خطيئة خطيرة» من شأنها إدخال لبنان في دوامة جديدة من عدم الاستقرار، في وقت تتشابك فيه المسارات السياسية والميدانية وسط مساعٍ دولية لاحتواء الحرب.
وأكد قاسم، في بيان بثته وسائل إعلام الحزب، أن التفاوض المباشر مع إسرائيل «مرفوض رفضًا قاطعًا»، معتبرًا أن على السلطات اللبنانية التراجع عن هذا النهج والتمسك بالمفاوضات غير المباشرة، محذرًا من تداعيات ما وصفه بخيارات سياسية خطيرة قد تحمل البلاد إلى مزيد من الاضطراب.
وشدد على أن أي نتائج تترتب على تلك المفاوضات «لا تعني الحزب من قريب أو بعيد»، مؤكدًا استمرار ما وصفه بـ«المقاومة الدفاعية» والرد على أي عدوان إسرائيلي، في رسالة حملت نبرة تحدٍّ واضحة، تعكس تمسك الحزب بخياراته العسكرية والسياسية رغم الضغوط المتزايدة.
المحادثات المباشرة تثير انقسامًا
وجاء موقف «حزب الله» في توقيت حساس، بعد جولتَي مباحثات مباشرتين بين سفيري لبنان وإسرائيل في واشنطن، في خطوة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ عقود، وأثارت جدلًا واسعًا داخل الساحة اللبنانية بين من يرى فيها فرصة لوقف الحرب، ومن يعتبرها تجاوزًا للثوابت السياسية.
وكانت الجولة الأولى قد أسفرت عن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقفًا لإطلاق النار دخل حيز التنفيذ في 17 أبريل لمدة عشرة أيام، قبل تمديده لثلاثة أسابيع عقب الجولة الثانية، في إطار مساعٍ تقودها واشنطن لتثبيت التهدئة.
وتؤكد السلطات اللبنانية أن هدف هذه المفاوضات لا يتعلق بتطبيع سياسي أو تغيير قواعد الاشتباك، بل يتركز على وقف العمليات العسكرية، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان، وتهيئة الظروف لعودة النازحين الذين تجاوز عددهم مليون شخص بفعل الحرب.
هدنة هشة تحت نيران مستمرة
ورغم إعلان وقف إطلاق النار، لا تزال الساحة الجنوبية تشهد توترات متواصلة، مع استمرار القصف الإسرائيلي الجوي والمدفعي على مناطق عدة، إلى جانب عمليات هدم وتفجير واسعة في البلدات الحدودية، في مشهد يعكس هشاشة التهدئة وصعوبة ترجمتها إلى استقرار فعلي على الأرض.
وتزيد المخاوف مع إعلان إسرائيل إقامة ما وصفته بـ«الخط الأصفر» الذي يفصل عشرات القرى الحدودية عن عمق الأراضي اللبنانية، وهو ما يُنظر إليه باعتباره خطوة ذات أبعاد أمنية وسياسية قد تفرض وقائع ميدانية جديدة.
في المقابل، يواصل «حزب الله» الإعلان عن عمليات تستهدف مواقع وقوات إسرائيلية في الجنوب، إضافة إلى إطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه شمال إسرائيل، بما يبقي احتمالات الانفجار الشامل قائمة رغم الهدنة.
بند اتفاق الهدنة يشعل الخلاف
أحد أبرز عناصر التوتر المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار يتمثل في البند الذي يمنح إسرائيل، وفق النص الذي نشرته وزارة الخارجية الأميركية، حق اتخاذ «كافة التدابير الضرورية للدفاع عن نفسها» في مواجهة أي هجمات، وهو بند يثير رفضًا حادًا لدى «حزب الله».
ويعتبر الحزب أن هذا النص يمنح إسرائيل غطاءً لمواصلة عملياتها العسكرية رغم الهدنة، كما يشير إلى أن الاتفاق لم يُعرض بصيغته النهائية على الحكومة اللبنانية، ما يطرح تساؤلات حول مدى التوافق الداخلي حول بنوده.
هذا الخلاف يعكس أزمة أعمق تتجاوز تفاصيل الهدنة إلى تباين الرؤى بشأن إدارة الصراع مع إسرائيل، بين من يراهن على المسار الدبلوماسي ومن يرفض أي ترتيبات يرى فيها تنازلاً سياديًا أو سياسيًا.
الخسائر الإنسانية تضغط نحو تسوية
وفي خلفية هذا المشهد، تتفاقم الكلفة الإنسانية للحرب، إذ أعلنت وزارة الصحة اللبنانية سقوط 2509 قتلى وإصابة ما لا يقل عن 7755 شخصًا منذ اندلاع المواجهات في مارس الماضي، في أرقام تعكس حجم الدمار والضغط المتزايد على جميع الأطراف للبحث عن مخرج سياسي.
ومع استمرار النزوح الواسع والدمار في الجنوب، يبدو أن أي مسار تفاوضي، مباشرًا كان أو غير مباشر، سيظل محكومًا بميزان معقد يجمع بين الميدان والسياسة والحسابات الإقليمية والدولية.
ولا تبدو تصريحات نعيم قاسم مجرد رفض تفاوضي عابر، بل تمثل رسالة سياسية حادة بشأن حدود المقبول في المرحلة الحالية، وتكشف حجم التباينات المحيطة بمسار وقف الحرب.
وبين هدنة هشة، ومفاوضات مثيرة للجدل، وتصعيد لا يغيب عن الحدود، يقف لبنان أمام مفترق حساس؛ إما تثبيت مسار التهدئة رغم التعقيدات، أو الانزلاق مجددًا نحو مواجهة أوسع قد تغيّر معادلات المنطقة بأكملها.




