في مشهد اقتصادي يتداخل فيه الاستثمار مع الجغرافيا السياسية، تمضي مصر بخطى متسارعة لتعزيز موقعها كوجهة رئيسية لرؤوس الأموال الأجنبية، مستفيدة من حزمة إصلاحات اقتصادية ومشاريع بنية تحتية عملاقة، في وقت تتزايد فيه المنافسة الإقليمية على جذب الاستثمارات.
وتسعى القاهرة إلى استقطاب ما يصل إلى 60 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحلول عام 2030، في هدف يعكس طموحًا يتجاوز الأرقام إلى إعادة تموضع استراتيجي ضمن خريطة الاقتصاد الإقليمي.
تحسن المؤشرات… لكن التحديات قائمة
تشير تقييمات حديثة إلى تقدم مصر في مؤشرات الجاذبية الاستثمارية، حيث جاءت ضمن أفضل الوجهات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، واحتلت المرتبة الثالثة بين 18 سوقًا إقليميًا، إلى جانب مركز متقدم عالميًا من حيث الانفتاح على الاستثمار.
هذا التحسن يرتبط، وفق مراقبين، بإجراءات إصلاحية شملت تحرير سعر الصرف، وتوسيع دور القطاع الخاص، وتحسين بيئة الأعمال. كما لعبت مشاريع الطاقة المتجددة والتصنيع والبنية التحتية دورًا محوريًا في جذب المستثمرين.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي وجود تحديات هيكلية، أبرزها ارتفاع مستويات الدين، وضغوط العملة، والحاجة إلى تدفقات نقدية مستدامة لدعم الاستقرار الاقتصادي على المدى الطويل.
دبلوماسية اقتصادية نشطة في واشنطن
في هذا السياق، جاءت تحركات وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال اجتماعات الربيع لـ البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، لتؤكد توجهًا واضحًا نحو توظيف الدبلوماسية الاقتصادية كأداة لجذب الاستثمارات.
الوزير ركّز في لقاءاته على إبراز ما وصفه بـ”مرونة الاقتصاد المصري”، مستعرضًا فرص الاستثمار، خاصة في قطاعات الطاقة والصادرات، ومشيدًا بخطط البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية لتوسيع عملياته في مصر، مع إمكانية تحويل القاهرة إلى مركز إقليمي لنشاطه.
ويرى محللون أن هذه التحركات تعكس إدراكًا مصريًا بأن المنافسة على الاستثمار لم تعد اقتصادية فقط، بل سياسية أيضًا، في ظل سعي الدول لتقديم نفسها كشركاء موثوقين في بيئة دولية مضطربة.
اليابان والأمم المتحدة… تنويع الشركاء
ضمن جهود تنويع مصادر الاستثمار، عززت القاهرة تعاونها مع الوكالة اليابانية للتعاون الدولي، حيث طُرحت ملفات التحول الأخضر، والذكاء الاصطناعي، والتوطين الصناعي، إلى جانب تطوير رأس المال البشري.
كما تمت الإشادة بنماذج تعاون تعليمية مثل المدارس المصرية اليابانية، ومشاريع أكاديمية متقدمة، في خطوة تعكس توجهًا نحو بناء قاعدة بشرية داعمة للاستثمار طويل الأجل.
وفي سياق متصل، ناقشت مصر مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سبل تعزيز التنمية المستدامة، في ظل التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية وأمن الطاقة والغذاء.
الاستثمار كأداة نفوذ إقليمي
لا تنفصل هذه التحركات عن السياق الإقليمي المتوتر، حيث تسعى مصر إلى تثبيت دورها كفاعل محوري في استقرار المنطقة، سواء عبر الوساطة السياسية أو من خلال استيعاب تداعيات الأزمات، بما في ذلك استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين.
وتبرز هنا معادلة واضحة: كلما تعززت التدفقات الاستثمارية، زادت قدرة القاهرة على لعب دور إقليمي أكثر تأثيرًا، سواء في ملفات الطاقة أو الأمن أو إعادة الإعمار.
وفي هذا الإطار، شدد المسؤولون المصريون على ضرورة تكثيف الجهود الدولية لاحتواء الأزمات، مشيرين إلى تداعياتها المباشرة على الاقتصاد العالمي، لا سيما في مجالات التجارة والطاقة.
بين الطموح والواقع
رغم الطموحات الكبيرة، يظل تحقيق هدف 60 مليار دولار مرهونًا بعدة عوامل، منها استقرار البيئة الاقتصادية العالمية، واستمرار الإصلاحات الداخلية، وقدرة مصر على تقديم حوافز تنافسية مقارنة بدول المنطقة.
ويرى خبراء أن نجاح القاهرة لن يقاس فقط بحجم الاستثمارات، بل بقدرتها على تحويل هذه التدفقات إلى نمو مستدام، ينعكس على مستويات التشغيل والدخل، ويحد من الضغوط الاجتماعية.
في المحصلة، تبدو مصر أمام فرصة حقيقية لإعادة صياغة دورها الاقتصادي، لكن هذه الفرصة، كما يقول مراقبون، تحتاج إلى إدارة دقيقة توازن بين الطموح السياسي والواقعية الاقتصادية.




