واقع مؤلم يشهده قطاع غزة، الذي يواجه أصعب مرحلة في تاريخه، منذ بداية العدوان الإسرائيلي، حيث تفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية، وباتت قرارات الزواج تتخذ تحت ضغط الحاجة والخوف، لا بدافع الاختيار أو الاستعداد، ما يضع الفتيات القاصرات أمام مسؤوليات تفوق أعمارهن، ويهدد مستقبلهن الصحي والتعليمي.
في مشهد يبدو متناقضاً مع مشاهد الدمار المحيطة، يرتفع صوت الدفوف والتصفيق ليعلن زفافا جديدا داخل أحد مراكز الإيواء في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة. ووفقا لأخصائيين اجتماعيين فإن هذه الأعراس تحمل في طياتها قصة أكثر تعقيداً من مجرد تحدٍ للحياة، فهي تعكس ظاهرة متصاعدة هي “الزواج المبكر”، إذ إن تفاقم الوضع الإنساني في غزة بسبب حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل، دفع العديد من العائلات إلى تزويج بناتها القاصرات بهدف الحماية أو تخفيف الأعباء المعيشية.
أزمة زواج القاصرات
ويشير تقرير أصدره صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) في آذار/ مارس 2026 إلى أن تردي الوضع الاقتصادي، في ظل وصول نسبة الفقر إلى 99%، يزيد الإقبال على تزويج القاصرات باعتباره عبئًا ماديًا أقل. فضلا عن أن الحرب التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تُقوّض عقودا من التقدم المُحرز في الحد من زواج الأطفال في غزة، ففي عام 2022 انخفضت نسبة الزيجات المُسجلة للفتيات دون سن الثامنة عشرة إلى 17.9%، بعد أن كانت تتجاوز 28% في عام 2009. حسب وكالة وفا.
ورغم ندرة البيانات حاليا نتيجة تدمير الاحتلال لأنظمة المعلومات والقانون والصحة بشكل كبير، يُشير الأخصائي الاجتماعي يوسف عدوان إلى ارتفاع حاد في هذه النسب لأن العديد من الزيجات لن يتم تسجيلها رسميا إلا لاحقا، بعد استقرار الخدمات، أو عند بلوغ الفتاة السن القانونية أو حملها، وكل هذا يحرم الفتيات من الحماية القانونية.
وتتجسد المأساة في حكاية س. ع (17 عاما)، التي دمرت قنابل الحرب منزل عائلتها في مدينة خان يونس، فوجد والدها نفسه عاجزاً عن تحمل نفقات تنقلها وإيوائها في ظل النزوح المستمر والمتكرر، وهنا، كان القرار: زواج الفتاة في أقرب وقت ممكن “تزوجت رغماً عني، دون فرح، تزوجت من ابن عمي الذي يكبرني بثلاث سنوات فقط”.
زواج مبكر قبل الاستشهاد!
وتتحدث بمرارة عن خسارة ذهبها ومقتنياتها خلال النزوح مع زوجها بعد أيام قليلة من الزواج، وعن حملها الثالث بعد إجهاضين متتاليين، لتكون بذلك شاهدة على الخطر الصحي والنفسي الذي تتعرض له القاصرات في ظل انهيار النظام الصحي.
“تسجيل عقود الزواج تحول إلى “ضرورة حياة. يعود ذلك إلى أن العائلات تدرك أن الزواج الرسمي يجعل الزوجين “يستقلان” عن سجلات أسرتيهما، مما يسمح لهما بالحصول على قسائم غذائية منفصلة”. فضلا عن أن النازحين في غزة الذين يقدر عددهم وفقًا لأحدث تقارير الأمم المتحدة بنحو 1.9 مليون شخص، يتلقون أحيانا بعضا من السلات الغذائية والمعونات التي تساعدهم على البقاء، “إضافة إلى طموح أكبر هو الحصول على شقة سكنية بعد انتهاء الحرب وبدء إعادة الإعمار حسب اعتقادهم”، وهذا السيناريو، حسب المحامي أبو سبت.
وتقول الحاجة أم عبد الله (55 عاما) إن “وضع الحرب المستمرة الذي نعيشه وخوفي الشديد من أن أفقد ابني الوحيد عبد الله بسبب القصف الإسرائيلي المستمر دفعاني إلى تزويجه في سن مبكرة، إذ إنه سيتم عامه العشرين الشهر القادم، فيما تبلغ عروسه آية 17 عاما، وهو يعمل في جمع الحطب وبيعه، لينفق على أسرته في ظل هذه الظروف الصعبة.. أريد أن أفرح به وأرى أحفادي حولي يلعبون ويمرحون، فكفى ما عشناه في الحرب من فقد وموت”.
ويقول أبو عمر حمدان: “استُشهد أبنائي الثلاثة وزوجاتهم وأحفادي في قصف البناية التي كنا نعيش فيها في مدينة خان يونس ولم يبق لي إلا ابني أنس ؟19 عاما)، الذي تزوج قبل شهرين كي تستمر عائلتنا موجودة.. عندما أسمع أن عائلات كاملة قد تم مسحها من السجل المدني يكاد يصيبني الجنون، وهذا ما اضطرني إلى تزويج ابني في هذه السن المبكرة”.
نقص مستلزمات الصحة الجنسية والإنجابية
وتشير التقارير الرسمية الفلسطينية إلى مقتل أسر بأكملها (الأب، والأم، والأبناء) خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، فقد شُطبت عائلات كاملة من السجل المدني، إذ يقدر أن أكثر من 2,172 عائلة فلسطينية أبادها الاحتلال بالكامل. ووفق المصادر الصحية، فإن ربع المرافق الصحية في غزة حاليا تستطيع تقديم الرعاية الطارئة للأمهات والمواليد الجدد، ما يزيد بشكل كبير خطر حدوث مضاعفات. حسب وكالة وفا.
ومع ندرة الإمدادات المسموح بدخولها إلى القطاع بسبب إغلاق الاحتلال الإسرائيلي للمعابر والتحكم فيها منذ ما يقرب من ثلاث سنوات- بما فيها مستلزمات الصحة الجنسية والإنجابية- قد تكون العواقب وخيمة، بل مميتة. وبحسب تلك المصادر في كانون الأول/ ديسمبر 2025، فقد شكلت المراهقات ما يقرب من 10% من حالات الحمل المسجلة حديثا، وكثيرات منهن يعانين سوء التغذية وفقر الدم، ويفتقرن إلى الرعاية الصحية اللازمة قبل الولادة.




