لم تكن زيارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى موسكو مجرّد محطة بروتوكولية، بل بدت أقرب إلى إعلان سياسي عن مرحلة جديدة في العلاقات السورية–الروسية. اللقاء الثاني بين الشرع وفلاديمير بوتين خلال ثلاثة أشهر، وفي قلب الكرملين، يعكس تحوّلاً واضحاً من إدارة إرث الماضي إلى صياغة شراكة مستقبلية تقوم على المصالح والاستقرار وإعادة التموضع الإقليمي.
اللافت في الزيارة أنها جاءت رغم استمرار التناقضات الثقيلة في الخلفية، وعلى رأسها موقف موسكو السابق الداعم لبشار الأسد، ورفضها تسليمه، ما يجعل التقارب الحالي أكثر دلالة على براغماتية الطرفين واستعدادهما لتجاوز الملفات الشائكة مرحلياً.
وفد ثقيل ورسائل غير معلنة
تشكيلة الوفد الروسي لم تكن تفصيلاً ثانوياً. حضور وزراء الدفاع والخارجية والمالية ونائب رئيس الوزراء، إلى جانب قادة عسكريين واستخباراتيين، عكس اتساع جدول الأعمال، وتحوّل الزيارة إلى منصة تنسيق استراتيجي شامل. موسكو أرادت أن تقول بوضوح إن سوريا لا تزال ملفاً مركزياً في حساباتها، وإن العلاقة مع القيادة الجديدة ليست مجاملة سياسية، بل استثمار طويل الأمد.
في المقابل، جاء الوفد السوري محدود العدد لكنه نوعي، بما يؤشر إلى تركيز دمشق على الملفات السيادية: السياسة الخارجية، الدفاع، وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
إعادة الإعمار… الاقتصاد بوابة السياسة
الشق الاقتصادي كان العنوان الأكثر حضوراً في اللقاءات العلنية. الحديث عن نمو يتجاوز 4%، واستعداد الشركات الروسية للمشاركة في إعادة الإعمار، لم يكن مجرد أرقام، بل رسالة مزدوجة: دعم سياسي عبر الاقتصاد، ومحاولة روسية للحفاظ على موطئ قدم مؤثر في السوق السورية المقبلة.
بالنسبة لدمشق، فإن فتح باب الاستثمار الروسي يوفّر شريكاً أقل حساسية من الغرب، وأكثر استعداداً للعمل في بيئة ما بعد الصراع، خصوصاً في قطاعات البناء والطاقة والبنية التحتية.
وحدة الأراضي… الشرعية من بوابة السيطرة
الإشادة الروسية بتقدّم الحكومة السورية في توحيد الأراضي لم تكن مجاملة دبلوماسية، بل إقرار ضمني بشرعية السلطة الانتقالية الجديدة. تركيز بوتين على شمال شرق سوريا تحديداً، جاء متزامناً مع انسحاب روسي مدروس من مطار القامشلي، في خطوة تعكس إعادة توزيع للأدوار، وتنسيقاً أكثر وضوحاً مع دمشق.
هذا التحوّل يمنح القيادة السورية زخماً داخلياً، ويعزز خطاب “الدولة الواحدة” بعد سنوات من التشظي.
القضايا الخلافية… إلى الغرف المغلقة
الملفات الأكثر حساسية غابت عن التصريحات العلنية، لكنها حضرت بقوة خلف الأبواب المغلقة. القواعد العسكرية الروسية، وعلى رأسها طرطوس وحميميم، تبدو مرشحة لإعادة صياغة جديدة، تقوم على الشراكة والتدريب بدل النفوذ المطلق.
كذلك، يبرز ملف الساحل السوري، في ظل اتهامات متبادلة حول محاولات زعزعة الاستقرار، وسط حديث عن قوائم تسليم ومصالحات، في مزيج يعكس توازناً دقيقاً بين العدالة والواقعية السياسية.
روسيا وإسرائيل… دور الوسيط المحتمل
أحد الأبعاد غير المعلنة للزيارة يتصل بجنوب سوريا، حيث تسعى موسكو إلى إعادة تقديم نفسها كضامن أمني ووسيط محتمل مع إسرائيل. هذا الدور، إن عاد إلى الواجهة، يمنح روسيا ورقة تفاوض إضافية في الإقليم، ويمنح دمشق هامشاً أوسع لإدارة التوترات من دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة.
غير أن الحماسة الإسرائيلية لهذا الدور تبقى موضع شك، في ظل تغيّر موازين القوى وتعدّد اللاعبين.
ما بعد الزيارة… شراكة واقعية لا تحالفاً أيديولوجياً
ما خرجت به زيارة الشرع إلى موسكو ليس تحالفاً جديداً بقدر ما هو تفاهم عملي. سوريا تحتاج إلى داعم دولي قوي في مرحلة إعادة البناء، وروسيا تحتاج إلى تثبيت نفوذها في شرق المتوسط وأفريقيا. هذا التقاطع في المصالح يفسّر الدفء السياسي، رغم الإرث الثقيل وعدم حسم كل الملفات.






