مع تصاعد الهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وتفاقم النقص في صواريخ الدفاع الجوي، تبحث أوكرانيا عن وسائل جديدة لتقليص قدرة موسكو على تنفيذ ضرباتها بعيدة المدى.
وفي هذا السياق، طلبت كييف من إيلون ماسك السماح باستخدام شبكة ستارلينك في عمليات هجومية تنفذها طائرات مسيّرة أوكرانية ضد أهداف داخل الأراضي الروسية، في خطوة قد توسّع الدور الذي تؤديه شبكة الأقمار الصناعية في الحرب المستمرة منذ أكثر من أربعة أعوام.
وبحسب صحيفة فايننشال تايمز، تسعى أوكرانيا إلى الحصول على موافقة لاستخدام طائرات مسيّرة مجهزة باتصال ستارلينك لضرب أهداف استراتيجية روسية على مسافة تصل إلى 200 كيلومتر داخل الأراضي الروسية.
من الدفاع إلى الهجوم
منذ بداية الحرب، أصبحت ستارلينك جزءاً مهماً من البنية التحتية العسكرية الأوكرانية، بعدما أتاحت للقوات الأوكرانية إمكانية الحفاظ على الاتصالات ونقل البيانات حتى في المناطق التي تتعرض فيها شبكات الاتصالات التقليدية للتدمير أو التشويش.
لكن استخدام المنظومة في عمليات هجومية داخل الأراضي الروسية يطرح مسألة مختلفة.
فكييف لا تريد فقط الحفاظ على الاتصالات في ساحة المعركة، وإنما تسعى إلى توظيف شبكة الأقمار الصناعية لتوفير اتصال مستقر للطائرات المسيّرة خلال عمليات بعيدة المدى، بما يسمح لها بتوجيهها والتحكم فيها والوصول إلى أهداف تقع على مسافة كبيرة من الحدود.
ويعكس الطلب الأوكراني محاولة لتحويل إحدى أهم أدوات الدعم التقني التي حصلت عليها كييف خلال الحرب إلى عنصر أكثر فاعلية في العمليات الهجومية بعيدة المدى.
أزمة صواريخ باتريوت تضغط على كييف
يأتي هذا الطلب في وقت تواجه فيه أوكرانيا مشكلة أكثر إلحاحاً: حماية مدنها ومنشآتها الحيوية من موجات الصواريخ الروسية.
وتعد منظومات باتريوت الأميركية من بين الأنظمة القليلة التي تمتلك أوكرانيا القادرة على التعامل بصورة فعالة مع الصواريخ الباليستية، الأمر الذي يجعل مخزونها من صواريخ الاعتراض مسألة استراتيجية بالنسبة لكييف.
وبحسب ما نقلته فايننشال تايمز، تقدّر أوكرانيا أنها تحتاج إلى مئات الصواريخ الاعتراضية حتى تتمكن من الحفاظ على مستوى دفاعها الجوي الحالي حتى نهاية العام.
وتزداد صعوبة المهمة مع تكثيف روسيا استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة في هجماتها، ما يفرض على القوات الأوكرانية استهلاك كميات كبيرة من صواريخ الاعتراض في مواجهة أهداف روسية متعددة.
كييف تبحث عن وسيلة للرد
في مواجهة هذا الاستنزاف، لا تقتصر استراتيجية أوكرانيا على المطالبة بمزيد من أنظمة الدفاع الجوي.
فالرؤية الأوكرانية تقوم أيضاً على محاولة ضرب مصادر التهديد قبل أن تصل الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى الأراضي الأوكرانية.
ومن هنا يأتي التركيز المتزايد على الطائرات المسيّرة بعيدة المدى، التي أصبحت خلال الحرب إحدى أهم أدوات كييف لاستهداف المنشآت العسكرية ومستودعات الذخيرة ومراكز القيادة والبنية التحتية المرتبطة بالقدرات العسكرية الروسية.
لكن تشغيل هذه الطائرات لمسافات طويلة يفرض تحديات تقنية كبيرة، أبرزها الحفاظ على الاتصال والتحكم بها في ظل استخدام روسيا وسائل متقدمة للتشويش والحرب الإلكترونية.
وهنا تحديداً تحاول كييف الاستفادة من ستارلينك.
ماسك أمام قرار حساس
غير أن الطلب الأوكراني يضع إيلون ماسك أمام قرار شديد الحساسية.
فشركة SpaceX، التي تدير شبكة ستارلينك، سبق أن فرضت قيوداً على بعض الاستخدامات العسكرية للخدمة، بينما أثار دور الشبكة في الحرب الأوكرانية جدلاً واسعاً بشأن حدود استخدام التكنولوجيا التجارية في العمليات العسكرية.
وتزداد حساسية المسألة عندما يتعلق الأمر باستخدام المنظومة في هجمات داخل الأراضي الروسية، وليس فقط في الدفاع عن المواقع الأوكرانية أو تأمين الاتصالات للقوات الموجودة على الجبهة.
وبالتالي، فإن الموافقة على الطلب قد تعني انتقال ستارلينك إلى مستوى أكثر مباشرة في دعم العمليات الهجومية الأوكرانية، وهو أمر يمكن أن يضع الشركة ومؤسسها تحت ضغوط سياسية وأمنية أكبر.
روسيا تحاول قطع ستارلينك
في المقابل، تدرك موسكو أهمية ستارلينك بالنسبة للقدرات العسكرية الأوكرانية، ولذلك تعمل على تطوير وسائل لتعطيل استخدامها.
وتحدثت تقارير حديثة عن نشر روسيا أنظمة تشويش مخصصة لاستهداف اتصالات ستارلينك، في محاولة للحد من قدرة القوات الأوكرانية على الاعتماد على الشبكة في عملياتها الميدانية.
لكن أوكرانيا تقول إنها طورت وسائل للتعامل مع هذا النوع من التشويش، ما يحول ستارلينك إلى جزء آخر من سباق التكنولوجيا والحرب الإلكترونية بين الطرفين.
معركة تتجاوز ساحة القتال
الطلب الأوكراني إلى ماسك لا يتعلق في جوهره بخدمة الإنترنت فقط.
فالحرب في أوكرانيا أصبحت مختبراً واسعاً للتكنولوجيا العسكرية، حيث تتداخل الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي والحرب الإلكترونية بصورة غير مسبوقة.
وفي هذه المعادلة، أصبحت السيطرة على المعلومات والاتصالات عاملاً لا يقل أهمية عن امتلاك الصواريخ والطائرات.
ومع استمرار أزمة صواريخ باتريوت وتصاعد الضربات الروسية، يبدو أن كييف تحاول إعادة صياغة معادلة الدفاع: بدلاً من استهلاك المزيد من الصواريخ لاعتراض الهجمات الروسية، تريد امتلاك القدرة على الوصول إلى مصادر هذه الهجمات داخل الأراضي الروسية نفسها.
لكن تحقيق ذلك يتوقف، في جزء منه، على قرار رجل واحد وشركة واحدة: إيلون ماسك وSpaceX، وعلى مدى استعداد واشنطن وكييف لتحمل التداعيات السياسية والعسكرية المترتبة على تحويل ستارلينك من أداة اتصال ودعم ميداني إلى عنصر مباشر في عمليات هجومية بعيدة المدى.





