بعد خمسة عشر عاماً من الحرب والانهيار الاقتصادي، بدأت تظهر في سوريا مؤشرات تمنح السلطات سبباً محدوداً للتفاؤل. فالنشاط الاقتصادي يستعيد بعض زخمه، والإنتاج المحلي يتحسن، فيما يتوقع أن يسجل الاقتصاد نمواً قوياً خلال عام 2026، مع آفاق أكثر إيجابية في العام التالي.
لكن الأرقام الجديدة لا تعني أن الاقتصاد السوري خرج من أزمته. فما خلفته الحرب من دمار، ونزوح جماعي، وتراجع في الإنتاج والبنية التحتية، إلى جانب التضخم وانعدام الأمن الغذائي، يجعل طريق التعافي طويلاً ومليئاً بالمخاطر.
صندوق النقد يرى إشارات إلى التعافي
جاءت أحدث مؤشرات التفاؤل بعد زيارة وفد من صندوق النقد الدولي إلى سوريا في نهاية يوليو/تموز، برئاسة رون فان رودن، مدير بعثة الصندوق الخاصة بالبلاد.
وخلص الصندوق إلى أن الاقتصاد السوري بدأ يظهر علامات على استعادة قدر من النشاط بعد سنوات من الانكماش والاضطراب.
وتشير التوقعات إلى إمكانية تسجيل نمو لا يقل عن 10 في المئة خلال عام 2026، في حال استمرار الاتجاه الحالي، مع توقعات أكثر تشجيعاً لعام 2027.
ويعكس هذا التحسن مجموعة من العوامل المتزامنة، بينها عودة جزء من إنتاج الهيدروكربونات، وتحسن الطلب المحلي، إلى جانب توقعات بموسم زراعي جيد.
القمح يعود إلى الواجهة
في بلد أنهكته الحرب، تبدو الزراعة واحدة من أكثر القطاعات أهمية في معركة استعادة الاستقرار الاقتصادي.
وتقول السلطات السورية إن البلاد قد تحقق هذا العام الاكتفاء الذاتي من القمح، وهو هدف لم يتحقق منذ بداية الحرب في عام 2011.
ويمثل ذلك أكثر من مجرد تحسن في محصول زراعي. فالقمح يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي وبقدرة الدولة على تقليل اعتمادها على الواردات في وقت لا يزال فيه ملايين السوريين يعانون من ارتفاع أسعار المواد الأساسية.
لكن الوصول إلى الاكتفاء الذاتي بشكل مستدام يتطلب إعادة تأهيل البنية التحتية الزراعية وشبكات الري والطاقة والنقل، وهي قطاعات تضررت بشدة خلال سنوات الحرب.
إعادة بناء الدولة الاقتصادية
إلى جانب مؤشرات الإنتاج، يرى صندوق النقد الدولي تقدماً في بعض الإصلاحات التي بدأت الحكومة تنفيذها لإعادة تنظيم الاقتصاد.
وكان إدخال العملة الجديدة في الأول من يناير/كانون الثاني أحد أبرز الاختبارات التي واجهتها السلطات، وقد جرى، وفق تقييم الصندوق، بصورة أفضل مما كان متوقعاً.
كما ارتفعت الإيرادات الضريبية خلال عام 2026، مدفوعة جزئياً بإيرادات تراخيص الاتصالات والضرائب المرتبطة بعائدات النفط.
وتشير هذه التطورات إلى محاولة دمشق إعادة بناء مصادر الإيرادات العامة بعد سنوات تراجعت خلالها قدرة الدولة على تمويل الخدمات والاستثمار.
لكن زيادة الإيرادات وحدها لن تكون كافية. فالاقتصاد السوري يحتاج إلى استثمارات واسعة لإعادة بناء شبكات الكهرباء والمياه والنقل والإنتاج، فضلاً عن خلق وظائف قادرة على استيعاب ملايين الأشخاص الذين دخلوا سوق العمل خلال سنوات الحرب.
ستة ملايين لاجئ لم يعودوا بعد
أحد أكبر الاختبارات الاقتصادية لا يتعلق بالأرقام المالية، بل بملايين السوريين الذين غادروا البلاد خلال الحرب.
ومن أصل نحو ستة ملايين شخص فروا إلى الخارج، لم يعد حتى الآن سوى ربعهم تقريباً، وفق المعطيات الواردة في التقرير.
وتحمل عودة هؤلاء إمكانات اقتصادية كبيرة، إذ يمكن أن توفر اليد العاملة ورأس المال والخبرات التي تحتاج إليها البلاد بشدة. لكنها في الوقت نفسه ستفرض ضغطاً إضافياً على الخدمات العامة وسوق العمل والإسكان والبنية التحتية.
وستحتاج سوريا إلى خلق الظروف التي تجعل العودة قابلة للاستمرار، لا مجرد عبور مؤقت إلى بلد لا يزال يعاني من نقص الخدمات وفرص العمل.
أزمة الغذاء لم تنتهِ
وراء مؤشرات النمو الاقتصادي، لا تزال الصورة الاجتماعية أكثر هشاشة.
ففي يونيو/حزيران، حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من استمرار انعدام الأمن الغذائي، الذي يؤثر على أكثر من نصف السكان.
كما يواجه السوريون ارتفاعاً حاداً في أسعار المواد الغذائية والوقود والسكن، ما يجعل أي تحسن في الناتج المحلي أقل وضوحاً بالنسبة إلى الأسر التي لا تزال تكافح لتأمين احتياجاتها اليومية.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في مرحلة التعافي: يمكن للاقتصاد أن ينمو بسرعة، بينما يبقى مستوى معيشة السكان تحت ضغط شديد.
هل يتحول النمو إلى تعافٍ فعلي؟
تمنح توقعات النمو القوية لعامي 2026 و2027 دمشق نافذة نادرة لإعادة بناء الاقتصاد، لكنها لا تحسم وحدها مستقبل البلاد.
فالتعافي الحقيقي سيتوقف على قدرة السلطات على السيطرة على التضخم، وتحسين الأمن الغذائي، وإعادة بناء البنية التحتية، واستعادة الإنتاج، وخلق فرص عمل، وتهيئة الظروف لعودة ملايين السوريين.
وبعد خمسة عشر عاماً من الحرب، تبدو المشكلة السورية أقل ارتباطاً بإعادة تشغيل الاقتصاد من الصفر، وأكثر ارتباطاً بتحويل الانتعاش الأولي إلى اقتصاد قادر على الاستمرار خارج ظروف الأزمة.






