شارع الرشيد الساحلي بات اليوم مرآة مكثفة لمعاناة الغزيين، حيث يقف شاهداً على واحدة من أشد موجات النزوح قسوة منذ اندلاع الحرب. الطريق الذي لم يكن سوى مساراً طبيعياً على البحر، تحول إلى شريان حياة وحيد للنازحين الذين يفرون من جحيم القصف، لكنه في الوقت ذاته أصبح مسرحاً للازدحام والانهيار الإنساني. عشرات الآلاف يقطعون مسافة لا تتجاوز كيلومترين في ساعات طويلة قد تمتد إلى نصف يوم، في مشهد يلخص حال مدينة تُطرد من ذاتها، ويكشف حجم الكارثة التي تتعرض لها غزة تحت وطأة الضغط العسكري الإسرائيلي.
شهادات النازحين
المأساة تتضاعف مع مشاهد النساء والأطفال وكبار السن وهم عالقون بين الرغبة في النجاة وضيق الطريق ومحدودية الوسائل. شهادات النازحين تعكس صعوبة لا تحتمل: ساعات من الانتظار على الطريق، جوع وعطش، مركبات متهالكة تتعطل في منتصف الزحام، وأجور نقل باهظة تصل إلى آلاف الدولارات لا يقوى معظمهم على دفعها. نزوح لم يعد خياراً بل إجباراً تحت نيران التحذيرات الإسرائيلية والقصف المتواصل الذي دمّر الأبراج ومراكز الإيواء وأجبر العائلات على البحث عن مأوى مؤقت في المجهول.
وفي موازاة هذه الحركة المرهقة من النزوح، واصلت إسرائيل توسيع نطاق عملياتها العسكرية داخل المدينة، لتستهدف مواقع مدنية كبرى مثل برج الغفري، الذي انهار بالكامل بعد إنذار لم يتجاوز الساعة. الرسالة التي تبعثها إسرائيل واضحة: لا مأمن في غزة، لا للأبراج السكنية، ولا لمؤسسات الإعلام والمنظمات الدولية، ولا حتى لمباني وكالة «الأونروا» التي تحولت إلى ملاجئ لآلاف النازحين. ومع كل ضربة، يتأكد أن الغاية أبعد من استهداف عسكري مباشر، بل تتجه نحو تفريغ المدينة من سكانها وتحويلها إلى بيئة غير صالحة للحياة.
صرخة أممية عاجلة
الإحصاءات المعلنة من وزارة الصحة ومنظمات الإغاثة تكشف عن حصيلة بشرية مروعة، إذ تجاوز عدد الشهداء 64 ألفاً، بينهم آلاف الأطفال، إلى جانب آلاف المصابين والجوعى الذين يلقون حتفهم بفعل سوء التغذية وانعدام الخدمات الأساسية. هذه الأرقام تعكس مأساة مضاعفة، حيث يتحول القصف إلى مجاعة، والنزوح إلى كارثة صحية واجتماعية لا تقل خطورة عن الحرب ذاتها.
في هذا السياق، تحذيرات الأمم المتحدة ومنظماتها لم تعد مجرد توصيات إنسانية، بل صارت بمثابة صرخة عاجلة. تصريحات المقررة الأممية الخاصة بحقوق الإنسان بأن إسرائيل “تجعل غزة غير صالحة للعيش” تعبّر عن إدراك متنامٍ بأن ما يجري ليس مجرد عملية عسكرية، وإنما سياسة ممنهجة لتفريغ المدينة وتهجير سكانها قسراً. ومع ذلك، يظل الموقف الدولي عاجزاً أمام الغطاء السياسي والدعم العسكري الذي تحظى به إسرائيل، خصوصاً من الولايات المتحدة، ما يترك المدنيين الفلسطينيين عالقين في دائرة الموت البطيء.
إبادة بطيئة
إن ما يجري في غزة اليوم يتجاوز حدود الحرب التقليدية إلى مشروع تغيير جغرافي وديمغرافي قسري، حيث يجتمع القصف المكثف مع تدمير البنى التحتية وإغلاق المسارات ورفع تكلفة النزوح، ليصنع مشهداً من الإبادة البطيئة. وبينما يصمد الشارع الفلسطيني بقدرة مذهلة على التحمّل، فإن الشواهد على الأرض تشير إلى أن مدينة غزة تتعرض لعملية تفريغ قسري قد تغيّر ملامحها ومستقبلها إلى الأبد.






