تفاقم الوضع الصحي في قطاع غزة على نحو غير مسبوق في ظل استمرار التصعيد العسكري الإسرائيلي، وهو ما وثّقته صحيفة الجارديان البريطانية في تقرير مطوّل حذرت فيه من أن البنية الصحية في القطاع تقترب من الانهيار الكامل. فمع القصف المتواصل وإغلاق عدد من المستشفيات والمرافق الطبية، لا سيما في شمال غزة، وجد مئات الجرحى والمرضى أنفسهم في مواجهة خطر الموت المباشر بسبب غياب الرعاية، فيما تكافح الطواقم الطبية بما تبقى لديها من إمكانات محدودة وسط نقص حاد في الأدوية والمستلزمات وانقطاع الكهرباء والاتصالات عن مناطق واسعة.
شهادات الأطباء تكشف حجم الكارثة
الضغط الكبير الناجم عن نزوح واسع من الشمال جعل المستشفيات والعيادات القليلة المتبقية في وسط وجنوب غزة تواجه تدفقًا هائلًا من المصابين. في مجمع ناصر الطبي بخان يونس والمستشفيات الميدانية في المواصي، يعمل الأطباء تحت ظروف تفوق طاقتهم، فيما يحاول المتطوعون الدوليون سد بعض الفجوات. شهادات الأطباء كشفت حجم الكارثة، حيث تحدث الجراح البريطاني مارتن جريفيثز عن استقبال مئات المصابين يوميًا، كثير منهم أطفال، يعانون من جروح خطيرة أو التهابات قديمة لم تجد علاجًا في الوقت المناسب بسبب صعوبة التنقل وانعدام وسائل النقل الآمنة.
الوضع في المستشفيات القليلة العاملة يوصف بالكارثي. في مستشفى ناصر، يتم استقبال الحالات الجديدة في الممرات بعد امتلاء أسرة الأطفال، بينما يؤكد الطاقم الطبي أن الموظفين باتوا منهكين ويعملون بلا إمكانات أساسية. ومع ذلك، جاءت أوامر إسرائيلية بإخلاء المستشفى الميداني الأردني في تل الهوا جنوب غرب غزة، ما أثار مخاوف من توسع دائرة الحرمان الطبي، خاصة وأن المستشفى كان يضم مئات المرضى والطاقم الطبي. وزارة الصحة في غزة أعلنت أيضًا تعليق العمل في مستشفيين آخرين بمدينة غزة، هما مستشفى الرنتيسي للأطفال الذي تضرر بشدة، ومستشفى العيون.
عرقل وصول الإمدادات
الوضع لا يقتصر على توقف المستشفيات، بل يمتد إلى العجز عن تلبية الاحتياجات الحيوية مثل غسيل الكلى أو رعاية المواليد. منظمة “ماب” أشارت إلى أن نصف مرضى الكلى في غزة اضطروا لمغادرة مدينتهم، فيما تضاعف عدد المرضى في وحدة إعادة التأهيل بدير البلح. أما مركز الصباحة الطبي الذي يوفر الرعاية للمواليد فيواجه خطر توقف خدماته مع قرب نفاد مخزون الأكسجين والوقود، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج مأساوية في غضون أيام.
إسرائيل من جانبها تزعم السماح بدخول مساعدات “كافية”، لكنها تبقي على إغلاق معبر زيكيم منذ 12 سبتمبر، وهو ما عرقل وصول الإمدادات إلى شمال القطاع. منظمات إنسانية، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أكدت أن حجم المساعدات الواصلة لا يتناسب مع الاحتياجات الإنسانية “الهائلة”، وأن استمرار العمليات العسكرية والقيود المفروضة على المعابر يفسر محدودية وصول الإمدادات.
عواقب أكثر فداحة
خلف هذه الصورة المأساوية، يبرز البعد الإنساني للحرب الدائرة منذ أكتوبر 2023، والتي أدت إلى استشهاد أكثر من 65 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 160 ألف، فضلًا عن تدمير البنية التحتية وتشريد معظم سكان القطاع مرات متكررة. لكن ما ينذر بعواقب أكثر فداحة هو أن غزة لم تعد فقط ساحة حرب عسكرية، بل تحولت إلى منطقة منكوبة صحيًا، حيث يموت المرضى والجرحى بسبب العدوى وسوء التغذية ونقص الرعاية، وهو ما يعكس طبيعة الحرب الشاملة التي تمس الحياة في أدق تفاصيلها.






