تتسارع التحركات السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط بالتوازي مع الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء المواجهة المشتعلة بين إيران والولايات المتحدة، في وقت بدأت فيه ملامح تفاهمات إقليمية جديدة تتشكل خلف الكواليس.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، برز لبنان مجددًا باعتباره أحد الملفات المرتبطة مباشرة بمسار التسويات الكبرى، بعدما كشفت تطورات الساعات الأخيرة عن تعهد إيراني بإدراج الساحة اللبنانية ضمن ما بات يُعرف بـ«صفقة إسلام آباد».
وتحمل هذه الرسائل أبعادًا تتجاوز مجرد التطمينات السياسية، إذ تعكس محاولة إيرانية للحفاظ على تماسك شبكة حلفائها الإقليميين في لحظة تفاوضية شديدة التعقيد، خصوصًا مع تصاعد المخاوف داخل أوساط حلفاء طهران من أن تؤدي أي تسوية محتملة إلى إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة.
رسالة عراقجي: لن نتخلى عنكم
في تطور لافت، أعلن «حزب الله» أن أمينه العام نعيم قاسم تلقى رسالة من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حملت رسائل مباشرة بشأن مستقبل العلاقة بين الجانبين، والتطورات المرتبطة بالمفاوضات الجارية لإنهاء الحرب.
وبحسب البيان، شدد عراقجي على أن طهران لن تتخلى عن دعم الحزب، مؤكدًا أن المقترحات المطروحة لإنهاء المواجهة مع الولايات المتحدة تتضمن العمل على تحقيق وقف دائم ومستقر للحرب في لبنان أيضًا.
وتحمل هذه الرسالة أهمية استثنائية؛ لأنها تأتي وسط تساؤلات متزايدة بشأن مدى استعداد إيران لتقديم تنازلات إقليمية مقابل إنهاء المواجهة العسكرية وتخفيف الضغوط الدولية.
ويرى مراقبون أن طهران تسعى عبر هذه الرسائل إلى تبديد مخاوف حلفائها من إمكانية تحولهم إلى أوراق تفاوضية خلال أي اتفاق سياسي مرتقب.
لبنان في قلب المقايضات الإقليمية
إدراج لبنان ضمن مسار التفاهمات لا يبدو خطوة منفصلة عن التطورات الإقليمية الأوسع، إذ لطالما شكل الملف اللبناني عنصرًا رئيسيًا في التوازنات بين القوى الإقليمية والدولية.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن أي اتفاق واسع النطاق بين واشنطن وطهران لن يكون مقتصرًا على وقف العمليات العسكرية فقط، بل قد يشمل ترتيبات أمنية وسياسية تمتد إلى ساحات نفوذ متعددة، من بينها لبنان والعراق وسوريا.
وفي هذا الإطار، تكتسب «صفقة إسلام آباد» دلالات تتجاوز بعدها الجغرافي، إذ يُنظر إليها باعتبارها منصة سياسية محتملة لتفاهمات تعيد ترتيب الأوراق في أكثر من ساحة ساخنة.
تصعيد ميداني يسبق أي اتفاق محتمل
ورغم أجواء التفاوض والتحركات السياسية، فإن المشهد الميداني على الحدود اللبنانية الإسرائيلية يسير في اتجاه مغاير، حيث شهدت الساعات الماضية تصعيدًا لافتًا في وتيرة العمليات العسكرية.
فقد كثف «حزب الله» عملياته ضد أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية، معلنًا استهداف أربع منظومات من القبة الحديدية في موقعين عسكريين رئيسيين، وذلك بعد ساعات من إعلان عملية مشابهة استهدفت منظومة أخرى.
ويبدو أن الحزب يتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها مرحلة احترازية واستباقية، خشية انهيار المسار السياسي أو تجدد الحرب بشكل واسع ومفاجئ.
ويرى محللون أن هذا النوع من العمليات يحمل رسائل مزدوجة؛ الأولى عسكرية مرتبطة بإظهار الجاهزية والقدرة على توجيه ضربات نوعية، والثانية سياسية تستهدف تعزيز أوراق التفاوض غير المباشرة.
إسرائيل ترد بالنار وإنذارات الإخلاء
وفي المقابل، صعد الجيش الإسرائيلي من عملياته داخل الأراضي اللبنانية، مواصلًا تنفيذ ضربات مكثفة ضد أهداف متعددة في الجنوب.
ولم تقتصر التحركات الإسرائيلية على الضربات الجوية فقط، بل امتدت إلى إصدار إنذارات إخلاء طالت نحو 15 بلدة جنوبية، في خطوة تعكس استعدادًا لاحتمالات تصعيد أوسع.
وتشير هذه الإجراءات إلى أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لا تزال تتعامل مع الجبهة الشمالية باعتبارها ساحة مفتوحة على احتمالات متعددة، رغم الحديث المتزايد عن تفاهمات سياسية محتملة.
هل تنجح الدبلوماسية في احتواء الانفجار؟
والسؤال الأبرز الذي يفرض نفسه الآن يتمثل في قدرة المفاوضات الجارية على تجاوز التعقيدات المتشابكة بين المسارات العسكرية والسياسية.
فبين رسائل الطمأنة الإيرانية، والتحركات العسكرية لـ«حزب الله»، والتصعيد الإسرائيلي المستمر، تبدو المنطقة أمام معادلة شديدة الحساسية، حيث تتحرك السياسة تحت ضغط الميدان، بينما يتحرك الميدان تحسبًا لفشل السياسة.
وفي ظل هذه المعادلة، يبقى لبنان مجددًا في قلب التجاذبات الكبرى، بين وعود التسوية ومخاطر الانفجار، وبين حسابات القوى الإقليمية ومصير ساحة لا تزال تدفع ثمن صراعات تتجاوز حدودها.




