وسط واقع إنساني بالغ القسوة تعيشه مدينة غزة منذ اندلاع الحرب، تبدو التفاصيل الصغيرة للحياة اليومية أكثر قدرة على التعبير عن صمود الناس وإصرارهم على الحفاظ على ما تبقى من مظاهر الفرح. في المخيمات المؤقتة التي امتلأت بخيام النازحين، لا تتوقف محاولات الأهالي لإبقاء تقاليد العيد حاضرة، حتى وإن جاءت في أبسط صورها وأكثرها تواضعًا. وبينما تفرض الحرب قيودها على الغذاء والمأوى والأمان، تتحول صناعة كعك العيد إلى فعل رمزي يعكس تمسك الفلسطينيين بالحياة في مواجهة واقع النزوح والفقدان.
فرحة كحك العيد وسط الخيام
لم يكن إعداد كعك العيد في غزة يومًا مجرد طقس موسمي مرتبط بالمناسبة الدينية، بل تقليد اجتماعي يعكس روح العائلة وتماسك المجتمع. غير أن هذا المشهد تغيّر كثيرًا خلال العامين الأخيرين، بعدما فرّقت الحرب العائلات وبدّلت البيوت بالخيام، وقلّصت الإمكانات إلى حدها الأدنى. ومع ذلك، لم تختفِ هذه العادة، بل أعادت النساء إحياءها بوسائل بدائية، مستخدمات ما يتوفر من دقيق وسكر وسمن، في محاولة للحفاظ على شعور الأطفال بقدوم العيد رغم قسوة الظروف.
تجلس أم أحمد جعرور على قطعة قماش في مخيم النزوح غربي غزة، تفرد فوقها العجين، بينما تساعدها جارتها في تشكيل الأقراص الصغيرة. تقول بابتسامة خفيفة: “لا نستطيع أن نترك العيد يمر بلا كعك.. الأطفال ينتظرونه كل عام “نحاول قدر المستطاع وبإمكانيات بسيطة خلق جو من الفرح يلازم قدوم العيد، بعد حرمان عامين كاملين”. حسب وكالة صفا.
فرحة من قلب الوجع
وتتابع “تتساعد نسوة المخيم فيما بينهن لإنجاز أكبر عدد من الكعك كي يوزع على الأطفال يوم العيد، ومنه ما يتم بيعه لصالح بعض العائلات من أجل توفير ملابس العيد لأطفالها”. الطقوس مختلفة والكمية ليست كما كانت قبل الحرب، فقبل عامين كان كعك العيد يصنع بكميات كبيرة والتفاف العائلة كلها، أما اليوم فالعائلة تشردت والكمية أصبحت على قدر أيامٍ بسيطة”.
وفي مخيم النزوح، تتشارك النساء ما توفر لديها من الدقيق أو السكر، بينما تُستخدم مواقد بدائية أو أفران صغيرة لخبز الكعك.
ورغم صعوبة الظروف المعيشية، يصر كثيرون على الحفاظ على هذه العادة التي تمثل جزءًا من ذاكرة العيد. تقول هيام شنن إن “صناعة الكعك بهذه الظروف تشكل تحديًا لواقع فرضه الاحتلال علينا، مهما عانينا نحاول أن نصنع فرحة يحظى بها الأطفال من قلب الوجع”.
محاولة لصناعة الفرح
وتضيف “نصنع الكعك قبل أيام العيد حتى تتمكن العائلات كافة في المخيم من صنعه قبل يوم العيد، وتحظى الخيام بأجواء سعادة قليلة “الأطفال هنا يراقبون عن كثب عملية العجن بفضول وفرح، فصناعة الكعك بالنسبة لهم لا يزال علامة واضحة على اقتراب العيد”. حسب وكالة صفا.
وتوضح أن هذه اللحظات البسيطة تمنح الأطفال والكبار شعورًا بأن الحياة ما زالت ممكنة رغم كل ما مرّ بهم من خوف وفقد ونزوح. وتحوّل إعداد كعك العيد في مخيمات النزوح إلى ما هو أكثر من مجرد طقس تقليدي، بل محاولة لصناعة الفرح ولو بحجم بسيط، ورسالة صامتة بأن الحياة في غزة، رغم الحرب، ما زالت قادرة على أن تُعجن بالأمل.





