تكشف معلومات نشرتها صحيفة الغارديان البريطانية عن ملامح مرحلة جديدة يجري الإعداد لها في قطاع غزة، لا تقتصر على ترتيبات وقف إطلاق النار أو إعادة الإعمار، بل تمتد إلى إنشاء بنية أمنية جديدة بإشراف أمريكي. ووفق التقرير، أصدر ما يعرف بـ”مجلس السلام” أول عقد إنشائي داخل القطاع منذ اندلاع الحرب، لبناء قاعدة عسكرية يُفترض أن تستضيف قوة دولية، بينها عناصر مغربية.
وإذا تأكدت هذه المعلومات، فإنها تمثل أول مؤشر عملي على انتقال الاهتمام من إدارة العمليات العسكرية إلى رسم ترتيبات أمنية لمرحلة ما بعد الحرب، وهي المرحلة التي لا تزال محل خلاف بين الأطراف الإقليمية والدولية.
أول مشروع أمني داخل القطاع
بحسب الغارديان، فإن المشروع يتمثل في إنشاء قاعدة عسكرية تتسع لنحو 150 فردًا، بالقرب من الحدود مع إسرائيل، على أن تتولى شركة أمريكية تنفيذ أعمال البناء.
وتشير الصحيفة، نقلًا عن مصدر مطلع، إلى أن القاعدة ستكون مخصصة في مرحلتها الأولى لاستضافة عناصر من القوات المغربية ضمن قوة دعم دولية، مع تصميم يتضمن مخرجًا للطوارئ تحسبًا لأي هجوم محتمل.
كما تذكر المعلومات أن المشروع لا يمثل سوى المرحلة الأولى من خطة أوسع تستهدف إنشاء منشأة قادرة مستقبلًا على استيعاب ما يصل إلى خمسة آلاف عنصر ضمن قوة دولية تعمل داخل القطاع.
من هو “مجلس السلام”؟
يرتبط المشروع بما يعرف بـ”مجلس السلام”، وهو كيان تقول الصحيفة إنه أُنشئ بدعم من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بهدف إدارة المرحلة السياسية والأمنية في غزة.
ووفق التقرير، يضم المجلس شخصيات أمريكية بارزة، من بينها وزير الخارجية ماركو روبيو، إضافة إلى جاريد كوشنر الذي يتمتع، بحسب الصحيفة، بصلاحيات واسعة داخل المجلس، بما في ذلك حق النقض على قراراته.
كما تشير المعلومات إلى أن المجلس بدأ بالفعل طرح مناقصات جديدة بالتنسيق مع لجنة فلسطينية توصف بأنها تضم تكنوقراط لإدارة الشؤون المدنية في غزة، في مؤشر على أن التحضيرات لا تقتصر على الجانب الأمني وحده.
لماذا المغرب؟
ورغم أن التقرير يشير إلى أن القاعدة ستستضيف عناصر مغربية، فإنه لا يقدم تفاصيل حول طبيعة المشاركة أو حجمها أو الأساس القانوني الذي تستند إليه.
كما لم يصدر، حتى الآن، إعلان رسمي من السلطات المغربية يؤكد المشاركة في قوة عسكرية داخل غزة، وهو ما يجعل هذه الجزئية بحاجة إلى تأكيدات رسمية مستقلة.
ومع ذلك، فإن اختيار المغرب -إذا تأكد- قد يعكس محاولة لتشكيل قوة تضم دولًا عربية تتمتع بعلاقات دبلوماسية مع مختلف الأطراف، بما يمنح أي ترتيبات أمنية مستقبلية قدرًا أكبر من القبول السياسي.
ترتيبات أمنية تسبق إعادة الإعمار
تكشف تفاصيل المشروع عن أولوية مختلفة عما كان مطروحًا في بداية الحرب.
فبدلًا من إطلاق مشاريع إعادة إعمار واسعة، يبدو أن التركيز ينصب أولًا على إنشاء بنية أمنية قادرة على حماية أي إدارة مدنية أو مشاريع مستقبلية داخل القطاع.
ويرى مراقبون أن هذا التسلسل يعكس قناعة لدى بعض الدوائر الدولية بأن إعادة الإعمار لن تكون ممكنة في غياب ترتيبات أمنية مستقرة، وهو ما يفسر بدء العمل بمنشآت عسكرية قبل إطلاق مشاريع عمرانية واسعة.
ارتباط بمفاوضات وقف الحرب
يتزامن الكشف عن المشروع مع استمرار الجهود الأمريكية للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، يقوم على وقف إطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي من غزة، مقابل ترتيبات تتعلق بسلاح حركة حماس.
غير أن هذه المساعي ما زالت تواجه عقبات سياسية كبيرة، بعدما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن حكومته لم تعتمد الصيغة الأخيرة التي اقترحتها واشنطن، مؤكدًا أن الملاحظات الإسرائيلية لا تزال قائمة.
وفي المقابل، أعلنت حركة حماس موافقتها على المقترحات التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي، وهو ما يعكس استمرار التباعد بين مواقف الأطراف بشأن شكل التسوية النهائية.
تراجع عن مشروع “غزة الجديدة”؟
يشير تقرير الغارديان إلى أن المشروع الحالي يعكس أيضًا تغيرًا في الرؤية الأمريكية تجاه مستقبل القطاع.
ففي الأشهر الأولى من عام 2025، طُرحت أفكار لإعادة تطوير غزة بالكامل ضمن مشروع اقتصادي وسياحي واسع، وتحدث جاريد كوشنر آنذاك عن رؤية لتحويل القطاع إلى ما وصفه بـ”ريفييرا الشرق الأوسط”.
لكن المشروع المطروح اليوم يبدو أكثر تواضعًا، إذ يركز على إنشاء بنية أمنية محدودة بدلًا من إطلاق خطة إعادة إعمار شاملة، وهو ما قد يعكس صعوبة تنفيذ الطموحات السابقة في ظل استمرار التعقيدات السياسية والأمنية.
أسئلة مفتوحة
يثير المشروع، إذا دخل حيز التنفيذ، جملة من الأسئلة حول طبيعة القوة الدولية المزمع نشرها، والجهة التي ستمنحها الشرعية، وكيفية قبولها من مختلف الأطراف الفلسطينية، فضلًا عن مستقبل الوجود العسكري الإسرائيلي داخل القطاع.
كما يبقى غير واضح ما إذا كانت هذه الترتيبات ستشكل جزءًا من اتفاق سياسي شامل، أم أنها تمثل محاولة استباقية لفرض واقع أمني جديد استعدادًا لمرحلة ما بعد الحرب.






