في أحد أكثر المشاهد تأثيراً منذ اندلاع الحرب على غزة، وقف أطباء وممرضو مستشفى العودة في مخيم جباليا، المحاصر آنذاك، يغنون بصوت واحد: “سوف نبقى هنا”. لم تكن الأغنية مجرد محاولة لرفع المعنويات، بل إعلاناً جماعياً عن التمسك بالحياة في مواجهة القصف والحصار.
ذلك المشهد، الذي وثقته كاميرات وسائل الإعلام، أعاد تسليط الضوء على الدور الذي تلعبه الموسيقى في حياة الفلسطينيين، ليس بوصفها فناً للترفيه، وإنما باعتبارها وسيلة للصمود والحفاظ على الهوية في ظل الحرب والدمار.
أغنية ولدت في ليبيا وأصبحت نشيداً للصمود
خلال حصار مستشفى العودة في ديسمبر/كانون الأول 2023، رفض الطاقم الطبي مغادرة المرضى رغم القصف المتواصل وأوامر الإخلاء.
وسط أصوات الانفجارات، ردد العاملون أغنية “سوف نبقى هنا”، وهي أغنية احتجاجية كُتبت في ليبيا عام 2005، لتتحول كلماتها داخل غزة إلى رسالة مقاومة تؤكد الإصرار على البقاء مهما بلغت التضحيات.
وأظهرت المشاهد أطباء وممرضين يواصلون علاج المصابين وهم يبتسمون ويغنون، في صورة اختزلت قدرة الإنسان على التمسك بالأمل حتى في أقسى الظروف.
الموسيقى… ذاكرة وهوية ومقاومة
لطالما شكلت الموسيقى جزءاً أساسياً من الهوية الفلسطينية، إذ استخدمت عبر العقود للتعبير عن الحزن والتمسك بالأرض واستحضار الذاكرة الجماعية.
ويرى موسيقيون وباحثون فلسطينيون أن الأغنية الفلسطينية لم تكن مجرد عمل فني، بل أصبحت وسيلة للحفاظ على الوجود الثقافي في مواجهة محاولات الطمس والإقصاء.
ويصف مدير معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى، سهيل خوري، الموسيقى بأنها “حاجة إنسانية أساسية”، معتبراً أن الحفاظ عليها يمثل شكلاً من أشكال مقاومة محاولات تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم وثقافتهم.
الحرب تُسكت المسارح ولا تُسكت الموسيقى
قبل الحرب، كانت غزة تضم نشاطاً موسيقياً وثقافياً متنوعاً، حيث انتشرت المدارس الموسيقية والعروض الفنية في المسارح والمراكز الثقافية.
لكن الحرب غيّرت هذا الواقع بالكامل، بعدما تعرضت مؤسسات ثقافية عديدة للتدمير، بينها مبنى معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى في حي تل الهوى، الذي فقد تجهيزاته وآلاته الموسيقية.
ورغم ذلك، يؤكد الموسيقيون أن تدمير المباني لم ينهِ رسالتهم، لأن الموسيقى، بالنسبة لهم، لا ترتبط بالمكان بقدر ارتباطها بالإنسان.
خيمة تتحول إلى معهد موسيقي
بعد تدمير المعهد، أنشأ الموسيقي إسماعيل داود وزملاؤه مساحة صغيرة لتعليم الموسيقى داخل خيمة في منطقة المواصي، التي لجأ إليها آلاف النازحين.
في البداية، انعكست أجواء الحرب على الألحان، التي اتسمت بالحزن والبطء، لكن مع مرور الوقت تحولت الدروس الموسيقية إلى مساحة للدعم النفسي، خاصة للأطفال الذين فقدوا منازلهم وأفراداً من عائلاتهم.
كما نظم الموسيقيون عروضاً داخل المستشفيات ومخيمات النزوح، بهدف إدخال شيء من الفرح إلى حياة الأطفال المصابين والناجين من القصف.
استعادة الطفولة وسط الحرب
يقول معلم الجيتار أحمد أبو عمشة إن التحدي الأكبر لم يكن تعليم الأطفال الموسيقى، بل مساعدتهم على استعادة إحساسهم بالحياة.
وفي إحدى المبادرات، استخدم صوت الطائرات المسيّرة الذي لا يفارق سماء غزة كجزء من الإيقاع الموسيقي، في محاولة لتحويل رمز الخوف إلى مساحة للتعبير الفني.
وأظهرت مقاطع مصورة نشرها معهد إدوارد سعيد أطفالاً يؤكدون أن الاستماع إلى الموسيقى جعلهم يشعرون، ولو للحظات، بأنهم عادوا إلى طفولتهم.
الموسيقى خارج غزة… صوت للتضامن
لم يقتصر حضور الموسيقى على داخل القطاع، بل امتد إلى العواصم العربية والعالمية، حيث نظم موسيقيون فلسطينيون وعرب حفلات تضامن هدفت إلى إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في الوعي العالمي.
وأصبحت العروض الموسيقية وسيلة لربط الفلسطينيين في الشتات بوطنهم، والحفاظ على الذاكرة الجماعية رغم التهجير والانقسام الجغرافي.
من الرثاء إلى الأمل
شهدت الأعمال الموسيقية الفلسطينية خلال الحرب تحولاً واضحاً، إذ انتقلت من التعبير عن الحزن إلى بث رسائل الصمود والأمل.
ومن أبرز هذه الأعمال العرض الموسيقي “غزة: التضحية والبطولة”، المستند إلى قصيدة “مريم غزة” للشاعر إبراهيم نصر الله، حيث ينتقل الأداء تدريجياً من الرثاء إلى التأكيد على أن السلام والحرية سيبقيان هدفاً ممكناً رغم الحرب.
كما أعادت أعمال أخرى، مثل “غزة: الشعب الثابت”، إحياء الأغاني الوطنية التي رافقت مراحل مختلفة من النضال الفلسطيني، لتؤكد أن الموسيقى لا تزال قادرة على جمع الناس حول ذاكرة مشتركة ورؤية لمستقبل مختلف.
الفن بوصفه شكلاً من أشكال البقاء
في غزة، لم تعد الموسيقى مجرد نشاط ثقافي، بل أصبحت وسيلة للحفاظ على التوازن النفسي والهوية الجماعية في مواجهة الحرب.
وبين أنقاض المباني، وفي الخيام والمستشفيات، يواصل الموسيقيون تعليم الأطفال والغناء معهم، في محاولة للحفاظ على مساحة صغيرة للحياة وسط الدمار.
ويختصر إسماعيل داود هذه الفكرة بقوله إن استمرار الموسيقى يعني أن الفلسطينيين ما زالوا هنا، وأن الإبداع، مهما اشتدت الحرب، يبقى أحد أشكال المقاومة وإثبات الوجود.





