لا تتراجع الأزمة الإنسانية في قطاع غزة مع مرور الوقت، بل تتخذ أشكالا أكثر قسوة داخل أماكن الإيواء التي لجأ إليها مئات الآلاف من الفلسطينيين هربا من القصف والدمار.
وقالت الأمم المتحدة إن أربع أسر من كل خمس تواجه مستويات حرجة أو كارثية من الجوع داخل أماكن الإيواء، في وقت يحتاج فيه 94% من سكان القطاع إلى المأوى والمستلزمات المنزلية الأساسية.
وتأتي هذه الأرقام في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية والحصار والقيود المفروضة على دخول المساعدات، ما يجعل الاحتياجات اليومية للسكان مرتبطة بشكل مباشر بقدرة المنظمات الإنسانية على الوصول إليهم وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة.
94% بحاجة إلى المأوى والمستلزمات الأساسية
قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوغاريك، خلال مؤتمر صحفي في نيويورك، إن 94% من الفلسطينيين في قطاع غزة يحتاجون حاليا إلى المأوى ومستلزمات منزلية أساسية.
وجاءت الإحاطة بالتزامن مع اليوم العالمي للعمل الإنساني، الذي يصادف 19 أغسطس/آب، وفي ظل استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في القطاع.
وبحسب دوغاريك، فإن هذه المعطيات تستند إلى تقارير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الذي يواصل توثيق آثار الحرب على السكان المدنيين.
ولا يتعلق نقص الاحتياجات بالمأوى وحده، إذ تواجه الأسر التي تعيش في أماكن الإيواء نقصا في الوقود والطاقة والأدوات الضرورية للحياة اليومية.
الجوع داخل أماكن الإيواء
تكشف أرقام الأمم المتحدة عن جانب آخر من الأزمة، يتمثل في مستوى انعدام الأمن الغذائي داخل مراكز الإيواء.
فأربع أسر من كل خمس تواجه مستويات حرجة أو كارثية من الجوع، بحسب المعطيات التي عرضها المتحدث الأممي.
ولا تعني المشكلة بالضرورة غياب الغذاء فقط، بل ترتبط أيضا بقدرة الأسر على الوصول إليه وإعداده وحفظه، في ظل نقص الوقود والطاقة والمستلزمات المنزلية.
ويصبح توفير الطعام أكثر صعوبة عندما لا تتوافر وسائل الطهي أو المياه أو الطاقة اللازمة لتخزين المواد الغذائية، الأمر الذي يحول الأزمة من نقص في الإمدادات إلى أزمة متكاملة في القدرة على تأمين الاحتياجات اليومية.
نقص الوقود يعطل تفاصيل الحياة
يؤثر نقص الوقود والطاقة على جوانب تبدو بسيطة من الحياة اليومية، لكنها تصبح بالغة الصعوبة في ظروف الحرب والنزوح.
وأوضح دوغاريك أن القيود الحالية تؤثر في قدرة السكان على النوم وإعداد الطعام والاستحمام وتخزين الغذاء والمياه، فضلا عن توفير الإضاءة والتعامل مع درجات الحرارة المرتفعة.
وهكذا لا تقتصر الأزمة الإنسانية على الحصول على الطعام، بل تمتد إلى القدرة على استخدامه والحفاظ عليه وتوفير بيئة آمنة وصحية للعيش.
وبالنسبة إلى الأسر التي تعيش في أماكن إيواء مكتظة، فإن غياب هذه الخدمات الأساسية يضاعف المخاطر الصحية والإنسانية، خصوصا مع ارتفاع درجات الحرارة واستمرار النزوح.
المدنيون في قلب الخطر
في الوقت نفسه، تواصل الأمم المتحدة تلقي تقارير عن سقوط مدنيين وإصابة آخرين أو تعرضهم لأشكال مختلفة من الأذى نتيجة الغارات الجوية والقصف المدفعي وإطلاق النار في قطاع غزة.
وتشير هذه التقارير إلى أن الأزمة الإنسانية لا تنفصل عن الوضع الأمني، إذ إن استمرار الهجمات يجعل من الصعب على السكان الوصول إلى مناطق أكثر أمنا أو على المنظمات الإنسانية تقديم خدماتها بصورة مستقرة.
فكل موجة قصف جديدة قد تعني مزيدا من النازحين، ومزيدا من المباني المدمرة، ومزيدا من الضغط على مراكز الإيواء التي تعاني أصلا من نقص الموارد.
جثامين تحت الأنقاض منذ سنوات
وفي مشهد يلخص حجم الدمار الذي خلفته الحرب، أعلن دوغاريك أن جثامين 50 فلسطينيا انتُشلت من تحت الأنقاض ودُفنت في غزة الخميس.
وقال إن من بين هؤلاء 19 طفلا قتلوا قبل أكثر من عامين.
ويكشف دفن الضحايا بعد سنوات من مقتلهم عن جانب آخر من الكارثة الإنسانية، إذ لا تنتهي معاناة العائلات بسقوط الضحايا، بل تستمر في ظل صعوبة الوصول إلى المناطق المدمرة وانتشال الجثامين ودفنها.
أزمة تتجاوز المساعدات الغذائية
الأرقام التي عرضتها الأمم المتحدة تقدم صورة عن أزمة إنسانية تتجاوز مسألة إدخال المواد الغذائية.
فحين يحتاج 94% من السكان إلى المأوى والمستلزمات الأساسية، وتواجه غالبية الأسر في أماكن الإيواء مستويات خطيرة من الجوع، فإن الاحتياجات تصبح مترابطة: الغذاء يحتاج إلى الوقود، والمياه تحتاج إلى الطاقة، والمأوى يحتاج إلى مستلزمات أساسية، وكل ذلك يحتاج إلى وصول إنساني منتظم وآمن.
وفي ظل استمرار القصف والقيود على دخول المساعدات، تبقى قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة محدودة أمام حجم الاحتياجات.
وهكذا يجد سكان غزة أنفسهم أمام أزمة متعددة المستويات، تبدأ من المأوى والغذاء ولا تنتهي عند المياه والطاقة والصحة، بينما تستمر الحرب في إعادة إنتاج الاحتياجات الإنسانية يوما بعد آخر.
وتقول الأمم المتحدة إن الصورة داخل أماكن الإيواء تعكس اتساع الأزمة: أسر تكافح من أجل الطعام، ونازحون يفتقرون إلى أبسط مقومات الحياة، وجثامين ما تزال تُنتشل من تحت الأنقاض بعد سنوات من مقتل أصحابها.
وفي هذه الظروف، لا تبدو المساعدات الإنسانية وحدها كافية لمعالجة الأزمة ما لم تتوافر في المقابل الظروف التي تسمح بوصولها إلى السكان بصورة منتظمة وآمنة.






