في ضوء التصعيد الإنساني المتواصل في قطاع غزة، والذي بلغ ذروته في ظل تفاقم المجاعة وانهيار البنية التحتية، يتواصل صدور البيانات من حركة “حماس” التي تكتفي، مرة تلو الأخرى، بالتنديد والإدانة، دون أن تقرن أقوالها بخطوات عملية تساهم في إنقاذ ما تبقى من القطاع المنكوب.
الحركة تتمسك بشروط تعجيزية
البيان الأخير الذي أصدرته الحركة، والذي انتقد خطة إسرائيل لإنزال المساعدات الجوية، لا يخلو من عناصر صحيحة من حيث تشخيص أزمة الحصار واتهام إسرائيل باستخدام المساعدات كأداة للتجميل السياسي، إلا أنه في جوهره يعكس أزمة أعمق لدى الحركة نفسها: الاكتفاء بالمزايدة الخطابية دون تحمل مسؤوليات سياسية توازي حجم المأساة التي يعيشها أكثر من مليوني إنسان في غزة.
ورغم أن “حماس” ترفع شعارات المقاومة والدفاع عن الحقوق الوطنية، فإنها تجاهلت، في كل مراحل التفاوض، تقديم أي تنازلات من شأنها فتح الطريق نحو هدنة مستدامة أو تسهيل دخول المساعدات بشكل آمن وكثيف. لقد تمسكت الحركة بشروط تعجيزية، رفضت معها مقترحات وسطية رعتها أطراف إقليمية ودولية، ما أدى إلى عرقلة جولات عدة من مفاوضات التهدئة.
المدنيون ضحايا معادلة سياسية
هذا التعنّت السياسي لا يمكن فصله عن حرص “حماس” على الحفاظ على كيانها السياسي والعسكري، ولو على حساب المعاناة اليومية للمدنيين. فالحديث المستمر عن “رفع الحصار” و”كسر العدوان” لا يُترجم إلى مطالب واقعية قابلة للتفاوض، بل يُستخدم كغطاء للتهرب من أي التزامات قد تُضعف من سلطة الحركة في حال أبدت مرونة سياسية.
في الوقت ذاته، تشير شهادات ميدانية وتقارير من منظمات إغاثية إلى أن عدداً من المساعدات التي دخلت بالفعل إلى القطاع عبر التنسيق مع جهات أممية، واجهت صعوبات في التوزيع داخل غزة بسبب الانقسامات الداخلية وغياب التنسيق الكامل بين الفصائل، بما في ذلك حماس. ومع استمرار هذه الفوضى، يبقى المدنيون، خصوصاً الأطفال والمرضى، ضحايا لمعادلة سياسية مغلقة، تهيمن عليها الحسابات الفصائلية أكثر من الاعتبارات الإنسانية.
الحركة تتسبب في إطالة أمد المأساة
بالتالي، فإن توجيه اللوم إلى إسرائيل، رغم عدوانها الصارخ، لا يُعفي “حماس” من مسؤوليتها المباشرة في ما آلت إليه الأوضاع، سواء بفعل تعنتها السياسي أو برفضها التخلي عن أوراق ضغط لم تعد تساوي شيئاً أمام الكارثة الإنسانية المتفاقمة. فحين تتحوّل الحركة التي تُعرّف نفسها كمدافع عن الشعب، إلى طرف مسبب في إطالة أمد المأساة، فإن مشروعيتها الأخلاقية والسياسية تصبح على المحك.
إن اللحظة الحرجة التي يمر بها قطاع غزة لا تحتمل مزيداً من البيانات السياسية التي لا تترجم إلى أفعال. المطلوب اليوم من “حماس” أن ترتقي إلى مستوى التحديات، وأن تدرك أن التمسك بالخطابات الثورية دون استعداد للمراجعة والتنازل، يعني ببساطة التضحية بالناس من أجل البقاء السياسي، وهو ما لن يغفره لها التاريخ.






