لم يعد الخوف في قطاع غزة مجرد احتمال، بل تحول إلى حالة يومية يعيشها مئات الآلاف من السكان القاطنين قرب مناطق تمركز جيش الاحتلال الإسرائيلي، حيث يقع المدنيين ضحايا يوميًا برصاص القناصة الذي لا يتوقف، واتساع رقعة السيطرة العسكرية، حيث تُستهدف المنازل والبنية التحتية، وتُفرض معادلة قاسية عنوانها البقاء تحت النار أو النزوح المتكرر.
ومع استمرار هذا النهج، تتزايد الشهادات التي تتحدث عن استخدام القنص كأداة ضغط لدفع السكان إلى الرحيل، في وقت تتقلص فيه المساحات الآمنة وتتآكل مقومات الحياة الأساسية، ما يعكس ملامح أزمة إنسانية متفاقمة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية، لتطال الوجود اليومي للسكان ومستقبلهم داخل القطاع.
شهادات حية: إطلاق نار وفرض سيطرة
“نعيش في شعور دائم بأنهم في ميدان رماية، حيث يطلق الجنود النار علينا متى شاؤوا، مستهدفين الأطفال والنساء وحتى الحيوانات.. الرصاص يصل إلى وسط المخيم، وينهمر كالمطر من القناصة والآليات والطائرات، ولا يوجد وقت آمن خلال اليوم.. في كل مرة يُطلق فيها النار نُجبر على النزوح، وعندما نعود يتجدد إطلاق النار بنفس الوتيرة، وكأن الهدف هو إخراجنا بلا عودة”. حسب تصريحات محمد منصور، أحد سكان مخيم البريج، للمركز الفلسطيني للإعلام.
شهادات السكان تشير إلى أن الاستهداف المتكرر لا يهدف فقط للقتل، بل لدفع السكان إلى الرحيل، ففي شرق دير البلح، تتكرر القصة ذاتها. يؤكد إبراهيم سليم أن وقف إطلاق النار لم يغيّر من الواقع شيئًا.. الاحتلال يقول لنا اخرجوا من منازلكم، لكن ذلك يتم بالرصاص وليس بإنذارات، نُستهدف يوميًا لإجبارنا على النزوح، نزحت أكثر من عشر مرات بعد الهدنة، وفي كل مرة نعود يُعاد إطلاق النار علينا”.
لم يقتصر الأمر على إطلاق النار، بل تعداه إلى تدمير المنازل بشكل مباشر، يقول سليم: “في المرة الأخيرة، أطلق القناصة رصاصًا حارقًا ومتفجرًا داخل المنزل، ما أدى إلى احتراقه بالكامل ومنعنا من العودة إليه”.
حصر السكان في مناطق ضيقة تفتقر مقومات الحياة
استهداف البنية التحتية بات جزءًا من المشهد اليومي، خاصة خزانات المياه وأنظمة الطاقة. يقول زكريا المنسي من مخيم المغازي: “أطلق الجنود رصاصًا ثقيلاً دمّر خزانات المياه بالكامل، وكذلك ألواح الطاقة الشمسية، ولم يعد بالإمكان إصلاحها، كل صباح يتم استهداف خزانات جديدة، وكأنها لعبة قنص يومية، وهذا يشكل خطرًا كبيرًا على الأطفال والنساء”.
ويرى مختصون أن هذا الواقع يدفع نحو حصر السكان في مناطق ضيقة تفتقر لمقومات الحياة، حيث بدأ جيش الاحتلال في الشهرين الأخيرين توسيع المنطقة المعروفة بالخط الأصفر ورسم خرائط جديدة لمنطقة أطلق عليها اسم الخط البرتقالي، لتصل المناطق الخاضعة لسيطرته إلى 64% من إجمالي مساحة قطاع غزة.
هذا الأمر يعني أن إسرائيل تسيطر فعليًا على 64% على الأقل من مساحة غزة، مضيفًا: “إنهم يريدون وضع أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين في أصغر مساحة ممكنة لطردهم بسبب غياب أي جدوى أو استدامة فيما تبقى من غزة”. حسب جاد إسحاق، المدير العام لمعهد البحوث التطبيقية.
وفي السياق، قال عادل ياسين الكاتب والمختص في الشأن الإسرائيلي، إن الهدف الرئيسي للاحتلال في هذه المرحلة يتمثل في تعطيل الاتفاق والتهرب من استحقاقات الانتقال إلى المرحلة الثانية، خاصة ما يتعلق بالانسحاب، مشيرًا إلى أن ما يجري على الأرض يعكس محاولة واضحة لتوسيع نطاق السيطرة بدلًا من الانسحاب منها.
سفك الدماء بالضوء الأخضر الأمريكي
وأوضح ياسين، أن أي خطوة انسحاب تُعد بمثابة “انتحار سياسي” لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، إذ إن مشاهد سحب الجنود ستشكل ضربة قاسية لحملته الانتخابية، وقد تعزز من فرص خسارته التي باتت، وفق تقديره، شبه مؤكدة، فضلا عن أن العقلية العدوانية للاحتلال تنظر إلى عودة السكان المدنيين باعتبارها تهديدًا مباشرًا، كونها تعكس فشل تحقيق الأهداف المعلنة، وعلى رأسها تهجير سكان قطاع غزة، وهو ما يتقاطع مع توجهات اليمين المتطرف الساعية لإقامة مستوطنات على أنقاض القطاع. حسب المركز الفلسطيني للإعلام.
وأكد ياسين أن بقاء السكان في مناطقهم يمثل دليلًا واضحًا على تعثر ما يسمى بـ”النصر المطلق”، ويقوض في الوقت ذاته مشاريع إعادة تشكيل الواقع الديمغرافي في غزة، مشددًا على أن ما يقوم به الاحتلال يجري ضمن هامش تتحكم به الإدارة الأمريكية، معتبرًا أن استمرار الخروقات يتم بتنسيق مباشر أو غير مباشر معها، وأن غياب موقف حازم أو ما وصفه بـ”الضوء الأخضر الأمريكي” هو ما يتيح مواصلة الانتهاكات وسفك المزيد من الدماء.




