لم تعد الاعتداءات التي يشنها المستعمرون الإسرائيليون على التجمعات الرعوية الفلسطينية في الضفة الغربية مجرد حوادث سرقة متفرقة أو أعمال عنف عابرة، بل تحولت إلى سياسة ممنهجة تستهدف اقتلاع الفلسطيني من أرضه وتجفيف مصادر بقائه. فاستشهاد الطفل يوسف علي كعابنة أثناء محاولته التصدي لسرقة مئات رؤوس الأغنام شمال شرق رام الله، كشف بصورة دامغة طبيعة المشهد القائم؛ حيث يتكامل عنف المستعمرين مع حماية الجيش الإسرائيلي، ضمن مخطط يطال الإنسان والأرض ومقومات الحياة معًا.
وفي ظل تصاعد عمليات السطو على المواشي، وتدمير المراعي ومصادر المياه، باتت الثروة الحيوانية الفلسطينية هدفًا مباشرًا لحرب استنزاف اقتصادية وديموغرافية تسعى لفرض واقع جديد في المناطق الريفية والبدوية، عبر الترهيب والإفقار والدفع نحو التهجير القسري، في واحدة من أخطر أدوات السيطرة على الأرض في الضفة الغربية.
عمليات إعدام جماعي
الأعمال التي تمتد في جغرافيا الضفة بأكملها، ما يؤكد أنها تتجاوز مفهوم الحوادث الفردية، لتعبر عن ظاهرة ممنهجة، لا تقتصر على سرقة القطعان وقتلها بالضرب وإطلاق النار، وإنما عمليات “إعدام جماعي” طالت مزارع دواجن. ويضاف إلى ذلك الإضرار غير المباشر، عبر تسميم أو تثقيب خزانات المياه المخصصة لسقاية الحيوانات، وهدم الآبار وتدمير شبكات الري، بقصد تجفيف مصادر الحياة لكل كائن على الأرض المستهدفة، خاصة في محيط البؤر الاستيطانية والرعوية. حسب بيانات الزراعة.
الماشية الفلسطينية تحولت من ركيزة للأمن الغذائي إلى هدف مباشر لسياسة تدمير ممنهجة يقودها المستعمرون تحت غطاء رسمي، وذلك في واحدة من أعنف المعارك الصامتة للاستحواذ على الأرض، فضلا عن أن الإرهاب الذي يمارس لتطبيق تلك السياسة أصبح خطة استراتيجية، يتصدرها عنصر السطو على الأرض. حسب هيئة شؤون الجدار والاستيطان، التي رصدت 102 اعتداءً مباشراً، طالت 4796 رأساً من الماشية، في فترة قصيرة جدا تمتد من مطلع العام 2026 وحتى منتصف أيار /مايو الجاري.
كارثة تضرب قطاع الثروة الحيوانية في الضفة
إحصائيات دالّة أخرى صادرة عن وزارة الزراعة، تكشف عن كارثة تضرب قطاع الثروة الحيوانية في الضفة الغربية، إذ لم تعد قطعان المواشي في أمان من المستعمرين الذين باتوا يستهدفونها سرقةً وقتلاً، في نمطٍ موثق ومتكرر. وتشير بيانات الإدارة العامة لخدمات المزارعين في الوزارة إلى أن العام المنصرم 2025 شهد سرقةَ أو قتلَ ما لا يقلّ عن 5236 رأساً من الأغنام على يد عصابات المستوطنين، بخسائر مالية قدرت بنحو 1774961 دولاراً.
وبلغت الخسائر التي لحقت بقطاع مصادر المياه وحده 1,579,673 دولاراً على مستوى الضفة الغربية خلال العام 2025، وكان المربّون الرعويون أكثر المتضررين منها لارتباط مواشيهم ارتباطاً مباشراً بتوافر الماء في المراعي، كما جاء في تقرير وزارة الزراعة.
الضفة الغربية تشهد تصعيدا استعماريا يتجاوز مفهوم الاعتداءات العشوائية ليرقى إلى مستوى الجريمة المنظمة، حيث تحولت عمليات سرقة وقتل المواشي على يد المستعمرين إلى أداة استراتيجية لفرض سيطرة ديموغرافية وجغرافية، وتحديداً في المناطق المصنفة “ج”. لك الهجمات لا تشن للسرقة فحسب، بل تأتي ضمن سياسة مدروسة ومدعومة من حكومة الاحتلال الإسرائيلي ومركباتها من قوى اليمين المتطرف، بهدف التطهير العرقي وإجبار السكان الأصليين على الرحيل. حسب تصريحات المشرف العام لمنظمة “البيدر” لدفاع عن حقوق البدو حسن مليحات، لوكالة وفا.
تواطؤ إسرائيلي ممنهج لسرقة مواشي الفلسطينيين
وسجلت أكبر عملية سطو على المواشي في تجمع “شلال العوجا” في آذار/مارس 2025، حيث استولت عصابات المستعمرين على 800 رأس من الأغنام في ليلة واحدة. ويتطرق المشرف العام لمنظمة البيدر إلى أن المستعمرين يلجأون لتكتيكات منظمة لإخفاء معالم جرائمهم؛ إذ يتم نقل المواشي المسروقة بين المحافظات، لصعوبة تتبعها أو لإنكار عمليات السرقة إن تطلب الأمر ذلك، لتستخدم لاحقاً في البؤر الاستعمارية الرعوية لتصبح أداة إضافية في محاربة المواطنين والتضييق عليهم في جبالهم ومراعيهم، تحت شعار “حيث تصل أغنامنا.. تصل أقدامنا”.
وتحت هذا الشعار، تُستخدم قطعان المستعمرين كرأس حربة لابتلاع المزيد من الأراضي، فبمجرد دخول مواشي المستوطنين أي منطقة جبلية أو رعوية، تصبح تلك المنطقة محرمة عسكرياً وعملياً على الفلسطينيين. ومع تمدد الرعي الاستعماري، تتسع رقعة الأراضي المستولى عليها، وتُغلق المناطق تدريجياً في وجه أصحابها الأصليين، في هندسة تسعى لفرض أمر واقع جديد على الأرض.
هناك تواطؤ إسرائيلي ممنهج لسرقة مواشي الفلسطينيين عبر حيل و”مسرحيات” قضائية، تضع تحديات وعراقيل أمام مساعي استرداد المواشي المنهوبة من قبل المستعمرين. ويؤشر ذلك إلى أن ما يجري لا يمكن حصره في إطار حوادث السرقة الفردية، بل “عملية سلب ممنهجة” تتواطئ فيها أطراف عدة تشمل المستعمر، والجيش، والشرطة، والقضاء. حسب مدير دائرة الحشد والمناصرة في مركز القدس للمساعدة القانونية وحقوق الإنسان عبد الله حماد.
تآمر على الفلسطينيين لنزع ملكيته
ونوه إلى أن بعض المستعمرين بات يعمل بشكل أكثر تنظيماً، حيث يقومون بوضع علامات خاصة بهم على الأغنام المسروقة لدحض رواية أنها لا تعود له، هذا إن كتب النجاح للفلسطيني بتقديم شكوى أو رفع قضية تسجل غالباً “ضد مجهول”، حتى لو أرفقت بمقاطع فيديو توثق وجوه اللصوص وتفاصيل عملية السرقة.
وتحدث أيضاً عن تكتيك جديد يلجأ له المستعمرون لسرقة مواشي الفلسطيني وأمام عينيه، فبدلاً من السطو بالخفاء، يقوم المستعمر بتقديم شكوى مسبقة لدى الشرطة الإسرائيلية يدعي فيها أن أغنامه سرقت من قبل فلسطيني، فتقوم الشرطة باصطحابه إلى المشكو عليه وتستولي من الأخير على أغنامه تحت مرآه ومسمعه بداعي أنها ليست له.
ويصف حماد محاولة الفلسطيني استرداد حقه عبر الطرق القانونية المتاحة بأنها أشبه بالدخول إلى “بوابة الجحيم”، إذ يُضطر المواطن للتوجه منفردا لتقديم شكواه في مراكز شرطة إسرائيلية تقع غالباً داخل المستعمرات أو بالقرب منها، هذا قبل أن يصطدم بجدار من دواعي الإثبات والملكية وغيرها.
ويقول: “تتآمر كل الأطراف على الفلسطيني لنزع ملكيته وتجريده من حقه في اقتناء الأغنام والرعي الحر ضمن المناطق المسموح بها والمناطق البرية. هذه مشكلة كبيرة؛ فـعبء الإثبات هو أكبر عائق يواجه المحامين والمؤسسات الحقوقية عند متابعة قضايا سرقة الأغنام”.




