دخلت الحرب في السودان مرحلة أكثر دموية، بعد مقتل 16 مدنياً وإصابة العشرات في قصف بطائرات مسيّرة استهدف مناطق مدنية بولاية شمال كردفان، وسط تصاعد التحذيرات الحقوقية والأممية من تفاقم الكارثة الإنسانية واتساع رقعة استهداف المدنيين.
وأفادت مصادر محلية وطبية وحقوقية بأن طائرة مسيّرة تابعة للجيش السوداني قصفت، صباح السبت، سوق منطقة أبو زعيمة في محلية حمرة الشيخ، ما أدى إلى سقوط 11 قتيلاً على الفور وإصابة عشرات آخرين بجروح متفاوتة، قبل أن ترتفع الحصيلة لاحقاً إلى 16 قتيلاً نتيجة هجمات متفرقة شهدتها المنطقة خلال أقل من 48 ساعة.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه ولايات كردفان ودارفور تصاعداً لافتاً في استخدام الطائرات المسيّرة، ضمن الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023.
أسواق وقرى تحت النار
بحسب روايات شهود ومصادر ميدانية، فإن القصف استهدف بشكل مباشر سوقاً شعبية مكتظة بالمدنيين في منطقة أبو زعيمة، ما تسبب في حالة من الذعر والفوضى بين السكان، خصوصاً مع محدودية الإمكانات الطبية في المنطقة.
وقبل ذلك بساعات، تعرضت قريتا الخشخاشة والبقريات في محلية حمرة الشيخ لهجمات مماثلة أسفرت عن مقتل شخصين وإصابة خمسة آخرين بجروح خطيرة، توفي أحدهم لاحقاً متأثراً بإصابته.
كما استهدفت ضربة أخرى مركبة نقل مدنية كانت تقل عدداً من المواطنين، ما أدى إلى مقتل شخصين وإصابة ثالث، لترتفع حصيلة الضحايا خلال يومين فقط إلى 16 قتيلاً وعشرات المصابين.
ويؤكد سكان المنطقة أن وتيرة الهجمات الجوية ارتفعت بشكل غير مسبوق خلال الأسابيع الأخيرة، مع اتساع دائرة الاستهداف لتشمل الأسواق والتجمعات المدنية ووسائل النقل.
إدانات حقوقية وتحذيرات من انتهاكات جسيمة
الهجمات الأخيرة أثارت موجة استنكار واسعة من منظمات حقوقية وقوى سياسية ومدنية سودانية، اعتبرت أن استهداف الأسواق والمرافق المدنية يمثل «تصعيداً خطيراً» وانتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني.
وأدانت مجموعة «محامو الطوارئ» الهجمات، مؤكدة أن ما يجري «ليس حوادث معزولة، بل نمط متكرر من الاستهداف المباشر للأعيان المدنية»، مشددة على ضرورة وقف هذه العمليات ومحاسبة المسؤولين عنها.
وترى منظمات حقوقية أن استخدام الطائرات المسيّرة في مناطق مأهولة بالسكان أدى إلى ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين بشكل لافت، في ظل غياب أي ممرات آمنة أو ضمانات لحماية السكان.
المسيرات تغير مسار الحرب
خلال الأشهر الماضية، أصبحت الطائرات المسيّرة أحد أبرز أدوات الحرب في السودان، مع اعتماد متزايد عليها في تنفيذ الضربات بعيدة المدى داخل مناطق النزاع.
ويرى مراقبون أن هذا التحول العسكري ساهم في زيادة الخسائر البشرية بين المدنيين، خاصة في ولايات دارفور وكردفان التي تعاني هشاشة أمنية وإنسانية كبيرة.
وفي 20 مايو الماضي، استهدفت طائرة مسيّرة سوق مدينة غبيش بولاية غرب كردفان، ما أدى إلى سقوط 77 شخصاً بين قتيل وجريح، في واحدة من أعنف الهجمات خلال الأشهر الأخيرة.
كما شهدت مدينة كتم بولاية شمال دارفور في أبريل الماضي قصفاً استهدف حفل زفاف، مخلفاً عشرات القتلى والجرحى، بينهم نساء وأطفال.
وفي مارس، أدى قصف استهدف مستشفى بمدينة الضعين في شرق دارفور إلى مقتل نحو 70 مدنياً وإصابة قرابة 100 آخرين، وفق تقارير محلية وأممية.
الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر
التصعيد العسكري المتواصل دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من دخول السودان مرحلة أكثر خطورة على الصعيد الإنساني، مع استمرار انهيار الخدمات الأساسية واتساع دائرة النزوح والجوع.
وبحسب بيانات حديثة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، فإن ما لا يقل عن 880 شخصاً قتلوا بين يناير وأبريل الماضيين جراء هجمات نفذتها طائرات مسيّرة في مناطق مختلفة من السودان.
وتصف الأمم المتحدة الأزمة السودانية بأنها «الأسوأ عالمياً» من حيث حجم الكارثة الإنسانية، في ظل نزوح ملايين المدنيين داخلياً وخارجياً، وتدهور الأوضاع الصحية والمعيشية بصورة غير مسبوقة.
حرب مفتوحة بلا أفق سياسي
ومنذ اندلاع المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، يعيش السودان حالة انهيار أمني واقتصادي وإنساني شامل، وسط فشل متكرر في تثبيت اتفاقات وقف إطلاق النار أو إطلاق عملية سياسية مستقرة.
ورغم التحركات الإقليمية والدولية الرامية لإحياء الحوار السوداني، فإن التطورات الميدانية تشير إلى اتساع رقعة الحرب وتحولها تدريجياً إلى صراع استنزاف طويل الأمد، يدفع المدنيون ثمنه الأكبر يومياً.
ويرى مراقبون أن استمرار الهجمات على الأسواق والمرافق المدنية يهدد بتفاقم حالة الاحتقان الشعبي، ويزيد الضغوط على الأطراف المتحاربة، في وقت تبدو فيه فرص التهدئة أكثر تعقيداً مع استمرار التصعيد العسكري في عدة جبهات.
كردفان ودارفور… الجغرافيا الأكثر نزفاً
تحولت ولايات كردفان ودارفور خلال الأشهر الأخيرة إلى أكثر المناطق تضرراً من الحرب، مع تكرار الهجمات الجوية واتساع المواجهات البرية وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين.
ويخشى سكان هذه المناطق من استمرار دوامة العنف في ظل ضعف البنية الصحية وانهيار الخدمات الأساسية، ما يهدد بحدوث موجات نزوح جديدة وأزمات إنسانية أكثر حدة خلال الفترة المقبلة.
ومع كل هجوم جديد، تتعمق مأساة المدنيين في السودان، بينما يبقى المشهد مفتوحاً على مزيد من التصعيد، في حرب باتت تدفع البلاد نحو واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية والسياسية في تاريخها الحديث.




