يستعد جاريد كوشنر، مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط وصهره، لزيارة إسرائيل ومصر الأسبوع المقبل، في تحرك أميركي جديد لدفع تنفيذ خطة واشنطن بشأن قطاع غزة، وسط خلافات مع الحكومة الإسرائيلية حول توقيت الانسحاب ونزع سلاح حركة حماس.
وبحسب مصادر مطلعة نقلت عنها وكالة أكسيوس، فإن كوشنر سيتوجه إلى إسرائيل، في أول زيارة له إليها منذ يناير/كانون الثاني، برفقة نيكولاي ملادينوف، الممثل الأعلى لـ”مجلس السلام” في غزة. ومن المقرر أن يلتقي الوفد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومسؤولين إسرائيليين كبارًا، قبل الانتقال إلى القاهرة لإجراء محادثات مع وسطاء من مصر وقطر وتركيا.
وتأتي الزيارة في وقت تحاول فيه الإدارة الأميركية منع الخلافات بشأن خطة غزة من تعطيل الانتقال إلى المرحلة التالية، ولا سيما في ظل تمسك نتنياهو بشروط أكثر تشددًا بشأن نزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي.
واشنطن تحاول إنقاذ خطة غزة
وتتركز مهمة كوشنر وملادينوف، وفق المصادر، على التوصل إلى تفاهم مع نتنياهو بشأن آلية تنفيذ الخطة خلال الأشهر المقبلة، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إبقاء المسار السياسي قائمًا وعدم السماح للانتخابات الإسرائيلية المقبلة بتعطيل تنفيذه.
وكان الرئيس الأميركي قد أعلن في يوليو/تموز عن تحقيق تقدم في خطته الخاصة بغزة، والتي تتضمن نزع سلاح حماس والفصائل المسلحة، ونقل إدارة القطاع إلى حكومة فلسطينية تكنوقراطية، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي تدريجي ونشر قوة استقرار دولية.
لكن الخلاف ظهر سريعًا بشأن ترتيب الخطوات وتوقيتها.
نتنياهو يرفض الانسحاب قبل نزع سلاح حماس
وقال نتنياهو إن إسرائيل لا تقبل خارطة الطريق الأميركية المؤلفة من 15 نقطة بصيغتها الحالية، مؤكدًا أن الجيش الإسرائيلي لن ينسحب من غزة قبل نزع سلاح حماس بصورة كاملة.
وتشمل الخلافات الإسرائيلية تحديد ما إذا كان الانسحاب الإسرائيلي سيبدأ بالتوازي مع عملية نزع السلاح، أم بعد اكتمالها.
ويتمسك نتنياهو بما وصفه بـ”نزع السلاح الحقيقي، وليس نزع السلاح الوهمي”، معتبرًا أن الانسحاب قبل التأكد من إزالة الأسلحة سيعيد إنتاج المخاطر الأمنية التي تقول إسرائيل إنها دخلت الحرب لمنعها.
وتأتي هذه المواقف في ظل ضغوط سياسية داخلية يواجهها نتنياهو قبل الانتخابات المقررة في أكتوبر/تشرين الأول، حيث يعارض وزراء من اليمين المتطرف أي انسحاب إسرائيلي من القطاع قبل تحقيق هدف الحرب المعلن بشأن حماس.
حماس تقول إنها وافقت.. ولكن بشروط
في المقابل، أعلنت حماس موافقتها على الإطار الأميركي، لكنها ربطت التنفيذ بالتزامات إسرائيلية، أبرزها وقف العمليات العسكرية والبدء بالانسحاب.
وكان “مجلس السلام” الذي تقوده الولايات المتحدة قد أعلن في نهاية يوليو/تموز التوصل إلى اتفاق مع حماس بشأن نزع سلاح الحركة ونقل إدارة غزة إلى حكومة فلسطينية تكنوقراطية، ضمن خطة تتضمن انسحابًا إسرائيليًا تدريجيًا.
لكن الحركة تتجنب استخدام تعبير “نزع السلاح” بالصيغة الإسرائيلية، وتقول إن الأسلحة يمكن تسليمها وتخزينها في إطار إدارة فلسطينية مدعومة أميركيًا، بدل أن يكون الأمر عملية نزع قسرية تسبق أي انسحاب إسرائيلي.
وهكذا، يواجه تنفيذ الخطة عقدة أساسية: إسرائيل تريد نزع سلاح حماس أولًا، بينما تربط حماس تنفيذ الاتفاق بوقف الهجمات والانسحاب الإسرائيلي.
القاهرة تدخل على خط التنفيذ
ومن المقرر أن ينتقل الوفد الأميركي بعد إسرائيل إلى القاهرة، حيث يلتقي وسطاء من مصر وقطر وتركيا.
وتكتسب القاهرة أهمية خاصة في هذه المرحلة بسبب دورها في الوساطة بين إسرائيل وحماس، إضافة إلى موقعها الجغرافي وتأثيرها المباشر في ترتيبات غزة.
وتسعى واشنطن، من خلال إشراك الوسطاء، إلى البحث عن صيغة يمكن أن تسمح ببدء تنفيذ الخطة تدريجيًا، بدل انتظار اتفاق شامل على جميع التفاصيل قبل اتخاذ أي خطوة على الأرض.
وكان مسؤول في “مجلس السلام” قد أكد أن الخطة لا تزال “سارية وتتقدم”، وأن التنفيذ يفترض أن يتم على مراحل، بحيث لا تنتقل كل مرحلة إلى التالية إلا بعد التحقق من الالتزامات التي سبقتها.
الانسحاب مقابل نزع السلاح.. العقدة الرئيسية
تبدو مسألة الترتيب الزمني للخطوات هي العقدة الأكثر حساسية في المفاوضات.
فالخطة الأميركية تقوم على مبدأ التدرج: نزع السلاح يقابله انسحاب إسرائيلي تدريجي، إلى جانب ترتيبات أمنية وإدارية جديدة.
لكن إسرائيل تريد ضمانات مسبقة بأن عملية نزع السلاح ستكون كاملة وقابلة للتحقق قبل تقديم تنازلات ميدانية كبيرة.
وفي المقابل، تخشى حماس أن يؤدي تسليم الأسلحة أو تنفيذ خطوات أمنية من جانبها قبل الانسحاب الإسرائيلي إلى فقدان أوراق الضغط التي تملكها، من دون ضمان تنفيذ إسرائيل لالتزاماتها.
ولهذا تحاول واشنطن بناء آلية للتحقق المتبادل تسمح بتنفيذ الخطة على مراحل، بدل أن يضطر أي طرف إلى تقديم تنازل نهائي اعتمادًا على وعود الطرف الآخر.
زيارة كوشنر اختبار جديد للعلاقة مع نتنياهو
ولا تقتصر أهمية الزيارة على الجانب الفلسطيني.
فهي تأتي أيضًا في ظل تباين متزايد بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو بشأن كيفية إنهاء الحرب في غزة.
وتريد الإدارة الأميركية دفع الخطة قدمًا، بينما يواجه نتنياهو ضغوطًا من داخل ائتلافه السياسي لرفض أي صيغة يُنظر إليها على أنها انسحاب إسرائيلي قبل تحقيق نزع كامل لسلاح حماس.
كما أن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة تضيف عاملًا سياسيًا إلى المفاوضات، إذ تخشى واشنطن أن يؤدي اقتراب موعدها إلى تجميد القرارات المرتبطة بغزة أو تقليص هامش المناورة أمام الحكومة الإسرائيلية.
ومن هنا تبدو مهمة كوشنر أكثر من مجرد زيارة لإجراء مشاورات؛ فهي محاولة لاختبار إمكانية التوصل إلى صيغة توافقية مع نتنياهو تسمح ببدء تنفيذ الخطة من دون تقديم تنازل تعتبره إسرائيل غير قابل للقبول.
هل تنجح واشنطن في تجاوز الخلاف؟
حتى الآن، لا يبدو أن الخطة وصلت إلى طريق مسدود نهائيًا.
فـ”مجلس السلام” يؤكد استمرارها، والولايات المتحدة تواصل اتصالاتها مع إسرائيل والوسطاء، فيما تقول حماس إنها قبلت الإطار من حيث المبدأ.
لكن الخلاف حول نقطة البداية لا يزال قائمًا.
إذا أصرت إسرائيل على نزع السلاح الكامل قبل أي انسحاب، وتمسكت حماس بوقف الهجمات والانسحاب كشرط لبدء التنفيذ، فإن الخطة ستبقى أمام فجوة يصعب تجاوزها.
أما إذا تمكن الوفد الأميركي من الاتفاق على آلية تدريجية تربط كل خطوة إسرائيلية بخطوة فلسطينية قابلة للتحقق، فقد تفتح زيارة كوشنر وملادينوف الطريق أمام بدء تنفيذ الخطة.
وفي هذه الحالة، لن يكون الاختبار الحقيقي في القاهرة أو تل أبيب فقط، بل في قدرة واشنطن على تحويل الاتفاق السياسي المعلن إلى ترتيبات ميدانية يمكن تنفيذها على الأرض دون أن يعيد الخلاف حول السلاح والانسحاب إشعال الحرب من جديد.






