صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب لهجته بشأن مضيق هرمز، معلنًا أنه يعتزم “قريبًا” إعلان الممر المائي الاستراتيجي إقليمًا تابعًا للولايات المتحدة، وذلك في وقت تتواصل فيه المواجهة مع إيران وتتراجع حركة الملاحة عبر المضيق إلى مستويات غير مسبوقة.
وقال ترامب، الجمعة، خلال كلمة في ولاية نيويورك، إنه بعد “هزيمة إيران” سيعلن مضيق هرمز “إقليمًا للولايات المتحدة”، في تصريح أدلى به بنبرة بدت ساخرة، لكنه لم يقدم أي تفاصيل حول كيفية تنفيذ مثل هذا الإعلان أو أساسه القانوني.
ويأتي التصريح بعد ساعات من تأكيد ترامب أن الولايات المتحدة تسيطر، بحسب وصفه، على المضيق، قائلًا إن السفن لا تمر عبره إلا إذا سمحت واشنطن بذلك.
في المقابل، رفضت طهران هذه التصريحات، ووصفت ادعاء السيطرة الأميركية على المضيق بأنه “كذبة”، مؤكدة تمسكها بموقفها بشأن إدارة حركة الملاحة فيه.
مضيق هرمز في قلب المواجهة
يمثل مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية لتجارة الطاقة في العالم، إذ يربط الخليج العربي بخليج عمان وبحر العرب، وتمر عبره في الظروف الطبيعية كميات ضخمة من النفط والغاز.
وتشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية إلى أن نحو 21 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية مرت عبر المضيق في عام 2022، أي ما يعادل نحو 21% من استهلاك السوائل النفطية عالميًا في ذلك العام. كما مر عبره نحو خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
لكن حركة الملاحة تراجعت بصورة حادة منذ اندلاع الحرب.
وبحسب بيانات حديثة نقلتها رويترز، لم تعد تعبر المضيق سوى أعداد محدودة من السفن، مقارنة بأكثر من 130 سفينة يوميًا قبل الحرب. وتقول إيران إنها لن تعيد فتح الممر أمام حركة الملاحة بصورة طبيعية قبل رفع العقوبات الأميركية وإعادة الأصول الإيرانية المجمدة.
وفي المقابل، تفرض الولايات المتحدة حصارًا بحريًا على إيران، وتقول إنها ستواصل الضغط الاقتصادي والعسكري عليها.
واشنطن وطهران تتنازعان على “السيطرة”
يظهر التصعيد الأخير في التصريحات الأميركية والإيرانية أن الخلاف لم يعد يتعلق فقط بفتح المضيق أو إغلاقه، بل بات مرتبطًا أيضًا بمن يملك القدرة على التحكم بحركة السفن داخله.
ترامب يقول إن البحرية الأميركية تسيطر على المضيق، فيما تؤكد طهران أن القوات الإيرانية ما زالت تملك القدرة على تحديد حركة السفن، وأن أي مرور يحتاج إلى موافقتها.
وكان قائد عسكري إيراني قد قال في وقت سابق إن المضيق يخضع بالكامل للسيطرة الإيرانية، رافضًا الرواية الأميركية بشأن حرية الملاحة فيه.
وعلى الأرض، تعكس حركة السفن وضعًا أكثر تعقيدًا: الولايات المتحدة تملك حضورًا عسكريًا كبيرًا وقد فرضت حصارًا على الموانئ الإيرانية، بينما تحتفظ إيران بقدرات عسكرية وموقع جغرافي يجعلها قادرة على التأثير في الملاحة داخل المضيق.
إعلان أميركي لا يغيّر الوضع القانوني
ويثير حديث ترامب عن إعلان مضيق هرمز “إقليمًا أميركيًا” سؤالًا آخر يتعلق بالقانون الدولي.
فالمضيق يقع بين إيران وسلطنة عمان، وتخضع أجزاء من مياهه للسيادة والولاية البحرية للدولتين الساحليتين وفق قواعد قانون البحار.
وتنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على أن سيادة الدول الساحلية تمتد إلى مياهها الإقليمية، التي يمكن أن تصل إلى 12 ميلًا بحريًا، كما تنظم الاتفاقية نظام المرور في المضائق المستخدمة للملاحة الدولية.
وأكدت إيران وسلطنة عمان في بيان مشترك صدر في يونيو/حزيران الماضي، باعتبارهما الدولتين الساحليتين للمضيق، التزامهما بحرية المرور الآمن وفق القانون الدولي، مع تأكيد سيادتهما وحقوقهما السيادية على مياههما الإقليمية.
وبالتالي، فإن إعلانًا أميركيًا أحاديًا لا يغيّر في حد ذاته الوضع القانوني للمضيق أو ينقل سيادته إلى الولايات المتحدة.
لكن أهمية التصريح تكمن في دلالته السياسية والعسكرية، لا في قدرته وحدها على تغيير الوضع القانوني.
ترامب يدافع عن الحرب رغم ارتفاع أسعار الوقود
وجاء تصعيد ترامب بشأن هرمز بالتزامن مع دفاعه عن قرار خوض الحرب ضد إيران، رغم ارتفاع أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.
وقال الرئيس الأميركي إن واشنطن اتخذت القرار الصحيح لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي، وإنه لن يعتذر للأميركيين بسبب ارتفاع أسعار البنزين.
وبحسب رويترز، ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة بأكثر من 35% مقارنة بمستواه قبل الحرب، الأمر الذي وضع إدارة ترامب أمام ضغوط داخلية متزايدة بشأن كلفة المواجهة على المستهلكين الأميركيين.
وقال ترامب إن الأميركيين قد يضطرون إلى دفع المزيد مقابل الوقود، لكنه اعتبر ذلك ثمنًا مقبولًا لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
فانس يحدد هدفين للحرب
وتأتي تصريحات ترامب بعد موقف لنائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس بدا أكثر تركيزًا على النتائج الاقتصادية المباشرة للحرب.
وقال فانس لشبكة فوكس نيوز إن الهدف الأول هو إبقاء أسعار النفط والبنزين منخفضة بالنسبة للأميركيين، بينما يتمثل الهدف الثاني في منع إيران من الحصول على سلاح نووي.
وأضاف أنه يعتقد أن الإدارة الأميركية تحقق هذين الهدفين.
لكن استمرار إغلاق المضيق يضع الهدف الأول أمام اختبار صعب.
فالممر الذي كان يشكل شريانًا رئيسيًا لتجارة الطاقة العالمية أصبح اليوم أحد أبرز مصادر اضطراب أسواق النفط، في وقت ارتفعت فيه أسعار الخام وتراجعت حركة السفن. وقد سجل خام برنت، الجمعة، نحو 88.5 دولارًا للبرميل، مع استمرار المخاوف بشأن الإمدادات.
هرمز يتحول إلى ورقة في مفاوضات الحرب
ولا ينفصل التصعيد بشأن المضيق عن المسار السياسي للحرب.
ففتح هرمز أصبح أحد الملفات الرئيسية في المفاوضات بين واشنطن وطهران، بينما تتمسك إيران برفع العقوبات وإعادة الأصول المجمدة مقابل إعادة فتح الممر.
وفي المقابل، تضغط واشنطن لإعادة فتح المضيق مع استمرار إجراءاتها العسكرية والاقتصادية ضد طهران.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن السيطرة على هرمز لم تعد مجرد مسألة مرتبطة بالملاحة التجارية، وإنما أصبحت جزءًا من ميزان القوة في الحرب نفسها.
فمن يملك القدرة على فتح المضيق أو تعطيل حركة السفن يملك ورقة ضغط على الاقتصاد العالمي، وعلى أسعار الطاقة، وعلى الأطراف التي تحاول دفع المفاوضات نحو تسوية.
هل يستطيع ترامب تحويل التهديد إلى واقع؟
يبقى السؤال الأهم هو ما إذا كان حديث ترامب عن إعلان هرمز إقليمًا أميركيًا مجرد تصعيد سياسي، أم أنه يعكس توجهًا فعليًا لدى الإدارة الأميركية لإعادة تعريف طبيعة الوجود الأميركي في المضيق.
حتى الآن، لم يقدم ترامب أي تفاصيل عن كيفية تنفيذ الإعلان، كما أن مثل هذه الخطوة ستصطدم مباشرة بالوضع القانوني للمياه التابعة للدول الساحلية وبقواعد الملاحة الدولية.
لكن مجرد طرحها يعكس حجم التحول الذي طرأ على الخطاب الأميركي منذ بداية الحرب.
فواشنطن لم تعد تتحدث فقط عن ضمان حرية الملاحة أو حماية السفن التجارية، وإنما عن السيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وبالنسبة إلى إيران، فإن قبول هذا الطرح يعني التخلي عن ورقة استراتيجية تمتلكها بحكم موقعها الجغرافي.
لذلك يبدو أن معركة هرمز ستبقى واحدة من أكثر نقاط التفاوض حساسية في الحرب: إيران تريد الاحتفاظ بالقدرة على التحكم في فتح المضيق، والولايات المتحدة تريد فرض ترتيبات تضمن عدم استخدامه كورقة ضغط ضدها أو ضد حركة التجارة العالمية.
وبين الموقفين، أصبح المضيق نفسه جزءًا من الحرب، لا مجرد ممر تتأثر به.






