في أعقاب التدخل الأمريكي في فنزويلا، وبالتوازي مع الخطاب الإمبريالي المتجدد للرئيس دونالد ترامب بشأن غرينلاند، شهد السياق الاستراتيجي للمعادن الحيوية تحوّلًا جذريًا مع مطلع عام 2026. فالمعادن التي كانت تُناقَش سابقًا ضمن أطر اقتصادية وتقنية باتت اليوم في صميم صراع النفوذ الجيوسياسي.
ويرى كريستوفر فاندوم أن تركيز إدارة ترامب على “مناطق النفوذ” كركيزة أساسية في سياستها الخارجية يفتح الباب أمام خطر متزايد، يتمثل في توظيف المخاوف المشروعة بشأن هشاشة سلاسل إمداد المعادن الحيوية لتبرير تحركات خارجية عدوانية، تُغلَّف بخطاب تجاري أو استراتيجي ظاهري.
وفي 14 يناير/كانون الثاني، أعلن ترامب عزمه التفاوض شخصيًا مع دول أجنبية لتأمين إمدادات المعادن، في خطوة تعكس الأهمية المتزايدة التي توليها إدارته لسلاسل التوريد. ويؤكد فاندوم أن هذا القلق مفهوم في جوهره، إلا أن المقاربة الأكثر فاعلية تكمن في استراتيجية تقوم على الشراكات الدولية والتدخلات السوقية الموجّهة، بما يحقق توازنًا بين الإنتاج المحلي والتنويع الخارجي.
غير أن طموحات ترامب بشأن غرينلاند، وفق فاندوم، تكشف تجاهلًا مقلقًا لمسائل السيادة والقانون الدولي، وهو ما قد يقوض الثقة مع الحلفاء، ويُضعف فرص بناء شراكات مستقرة، فضلًا عن تعميق تقلبات الأسواق في وقت تعاني فيه سلع أساسية عدة من قيود حادة في العرض، وهي اختلالات يُرجّح استمرارها حتى نهاية 2026.
مغالطة الربط بين السيطرة الإقليمية وأمن الإمدادات
ويحذّر فاندوم من الخلط الذي تقع فيه إدارة ترامب بين المخاوف الحقيقية المتعلقة بالإمدادات وبين رهانات السياسة الخارجية. فرغبة واشنطن في السيطرة على غرينلاند تُقدَّم تحت مبررات أمنية متعددة، إلا أن الوصول إلى مواردها المعدنية يبدو دافعًا محوريًا، خصوصًا في ظل أولوية المعادن الحيوية ضمن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الصادرة في ديسمبر الماضي.
تمتلك غرينلاند احتياطات واعدة من العناصر الأرضية النادرة ومعادن حيوية أخرى تُعد ضرورية لمشاريع دفاعية كبرى، من بينها برنامج مقاتلات “إف-35”. وتشير تقارير إلى أن واشنطن مارست ضغوطًا خلال العام الماضي لمنع بيع مشروع غني بالعناصر الأرضية النادرة الثقيلة والغاليوم إلى جهات مرتبطة بالصين.
لكن فاندوم يلفت إلى أن قطاع التعدين في غرينلاند لا يزال في مراحله الناشئة، ويواجه تحديات جيولوجية وتشغيلية كبيرة، ما يجعله بعيدًا عن الجدوى التجارية الواسعة. كما أن الشركات الأمريكية، عمليًا، تملك بالفعل سبل الوصول إلى هذه الموارد دون الحاجة إلى مقاربات سيادية مثيرة للجدل.
توترات مع الحلفاء وتقويض العمل متعدد الأطراف
ويشير فاندوم إلى أن المساس بسيادة الجزيرة لا يخلق أزمة سياسية فحسب، بل يمتد أثره إلى ملفات أخرى، حيث يتسع الشرخ بين الولايات المتحدة من جهة، وشركائها في مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى. وهو ما يهدد نجاح مبادرات أمريكية أخرى في مجال المعادن الحيوية، مثل فرض حد أدنى للأسعار لدعم منتجين محددين.
وكان ترامب قد دعا، في بيانه الصادر في 14 يناير، وزير الخارجية والممثل التجاري إلى دراسة فرض حد أدنى للأسعار في تجارة المعادن الحيوية. غير أن فاندوم يرى أن تحقيق هذا الهدف دون تنسيق مع الشركاء الأوروبيين والآسيويين سيكون بالغ الصعوبة، خاصة في ظل التوترات السياسية التي تعرقل الجهود الدبلوماسية لبناء تحالفات فاعلة.
وتتفاقم هذه الإشكاليات مع استمرار الإدارة الأمريكية في اختبار حدود المعاهدات والمؤسسات الدولية. ففي عام 2025، وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا يهدف إلى تسريع التعدين المحلي وتعزيز ريادة الولايات المتحدة في المياه الدولية، متجاوزًا عمليًا أطر السلطة الدولية لقاع البحار واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهو ما دفع شركاء واشنطن التقليديين إلى تبنّي سياسات تحوّط متزايدة.
الصين: تنافس حذر دون صدمات كبرى
أما على صعيد العلاقات الأمريكية الصينية، فيتوقع فاندوم استمرار التوتر خلال 2026، رغم أن التفاهم الذي أُبرم بين ترامب والرئيس شي جين بينغ في قمة أكتوبر 2025 قد يحول دون عودة شاملة لقيود التصدير أو الصدمات الجمركية الواسعة.
وقد كشفت القيود الصينية السابقة على المعادن النادرة، ردًا على تعريفات ترامب، مدى هشاشة الاعتماد الأمريكي على سلاسل توريد مركزة. ومع ذلك، لا يبدو أن أيًا من الطرفين مستعد لإشعال مواجهة تجارية شاملة في هذا القطاع، نظرًا للتكاليف المتبادلة وتعقيد إعادة توجيه الإمدادات بسرعة.
لكن فاندوم يحذر من أن الجغرافيا السياسية ستدفع نحو تعميق الممارسات الاحتكارية، حيث يُجبر المستهلكون النهائيون على تفضيل مصادر بعينها تحت ضغط حكومي، فيما تضغط واشنطن وبكين على شركاتهما لتجنب البنى التحتية الممولة من الطرف الآخر.
معادن مختلفة… مخاطر مختلفة
ويختم فاندوم تحليله بالتأكيد على أن الطلب على المعادن تحركه تحولات طويلة الأمد، مثل الانتقال الطاقوي، والرقمنة، وتوسع مراكز البيانات، ومتطلبات التنمية في الأسواق الناشئة. ويضرب مثالًا بأفريقيا، حيث يتطلب رفع البنية التحتية للطاقة إلى مستوى مماثل لأوروبا ما يقارب مليار طن متري من النحاس.
غير أن سياسة المعادن الأمريكية، برأيه، تعاني من ضعف في تحديد الأولويات، ومن تبسيط مخلّ للأسواق عبر جمع “المعادن الحيوية” في سلة واحدة، رغم التباينات الحادة في أوضاع العرض والطلب.
فالنيكل، على سبيل المثال، يعاني فائضًا في الطاقة الإنتاجية أدى إلى تراجع الأسعار، بينما شهد الليثيوم تصحيحات سعرية حادة نتيجة تسارع الإنتاج مقارنة بالقدرات التحويلية. في المقابل، يواجه النحاس عجزًا هيكليًا متزايدًا، في وقت يتسارع فيه الطلب بفعل السيارات الكهربائية، ومراكز البيانات، والتحول الصناعي نحو الكهرباء.
ويحذّر فاندوم من أن تجاهل هذا التعقيد قد يقود إلى تدخلات سياسية غير متوازنة، تُفرط في بعض الأسواق، وتُقصّر في أخرى، ما يهدد بتقويض أهداف التحول الطاقوي والتنمية على حد سواء.






