منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، شكلت ما يُعرف بـ”عقيدة بيغن” أحد الأعمدة غير المعلنة في التفكير الأمني الإسرائيلي، بوصفها ترجمة عملية لفكرة الضربات الاستباقية لمنع تشكل تهديد نووي قبل اكتماله. هذه العقيدة، المنسوبة إلى رئيس الوزراء الأسبق مناحيم بيغن، لم تكن مجرد تصريح سياسي عابر، بل تحولت إلى إطار استراتيجي يحكم سلوك إسرائيل تجاه أي برنامج نووي تعتبره معاديا، من العراق في الثمانينيات إلى سوريا في الألفية الجديدة، وصولا إلى إيران في العقدين الأخيرين.
تقوم العقيدة على افتراض مركزي مفاده أن الانتظار حتى امتلاك الخصم لقدرة نووية فعلية ينطوي على مخاطرة وجودية، وأن الردع التقليدي لا يكفي في مواجهة تهديد من هذا النوع. لذلك، تُقدَّم الضربة العسكرية الوقائية باعتبارها خيارا اضطراريا، يُبرَّر ضمن مفهوم “الدفاع الاستباقي”، حتى لو أثار ذلك جدلا قانونيا وسياسيا على المستوى الدولي. وبينما يرى أنصار هذا النهج أنه عزز الردع ومنع سباقات تسلح إقليمية، يشير منتقدوه إلى كلفته الدبلوماسية وإلى ما كشفته وثائق لاحقة من جدل حول دقة تقدير التهديد في بعض الحالات.
عقيدة مناحيم بيغن ومبدأ الردع بالاستباق
مبدأ أمني واستراتيجي يُنسب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن، ويفيد بأن لإسرائيل “الحق في منع أي دولة تراها معادية من امتلاك سلاح نووي”، وذلك عبر استهداف المنشآت المرتبطة بهذا البرنامج قبل أن تصبح قادرة على إنتاج سلاح فعلي. وتبرر إسرائيل هذه السياسة بأنها من أشكال “الدفاع الاستباقي عن النفس”، وتعدّ الضربات العسكرية إجراء وقائيا لدرء أي تهديد مستقبلي. حسب الجزيرة.
عرض بيغن هذا التوجّه علنا عام 1981، معلنا أن بلاده “لن تسمح لأي عدو بتطوير أسلحة دمار شامل لاستعمالها ضدها”، ومؤكدا التزام إسرائيل بالدفاع عن شعبها “بكل الوسائل المتاحة”. ومنذ ذلك الحين، عُدّت هذه العقيدة ركيزة أساسية في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي تحت مبدأ “الردع بالاستباق”. ويستند أنصار هذه العقيدة إلى أن الضربات الاستباقية تحقق الردع، إذ تدفع الخصوم إلى التردد في تطوير برامج نووية خشية استهدافها عسكريا.
وارتبط تطبيقها تاريخيا بقصف مفاعل “تموز” العراقي عام 1981، كما استُحضر المفهوم لاحقا في تدمير منشأة الكبر السورية عام 2007، في إطار السعي لمنع امتلاك أطراف تعدها إسرائيل معادية سلاحا نوويا. وفي تبريره لضرب مفاعل تموز، ربط بيغن بين عقيدته وتجربة الهولوكوست (1939-1945)، معتبرا أن منع امتلاك خصوم إسرائيل لسلاح دمار شامل يندرج ضمن “الحيلولة دون تكرار تهديد وجودي للشعب اليهودي”. وفقا للجزيرة.
تخريب مفاعل تموز
بدأ التعاون النووي بين فرنسا والعراق في ستينيات القرن العشرين، إذ سعت باريس إلى توسيع نفوذها في المنطقة العربية والاستفادة من ثرواتها النفطية، في حين كانت قد زوّدت إسرائيل منذ الخمسينيات بالتكنولوجيا النووية.
وفي 1975، وقعت باريس اتفاقا مع بغداد لبناء مفاعل نووي لإنتاج الطاقة الكهربائية في منشأة التويثة للبحوث النووية، الواقعة قرب منطقة التويثة في بغداد، لكنه تأخر 4 سنوات بسبب عراقيل متعددة وعمليات تخريب لم تُكشف جهاتها رسميا، مما أرجأ تسليم تجهيزات المفاعل والمعدات الأساسية، بما فيها 65 كيلوغراما من اليورانيوم المخصب، إلى العراق.
تعرّض المشروع -الذي أسمته فرنسا “أوزيراك” في حين أسمته الحكومة العراقية “مفاعل تموز”- لمحاولات تخريب وأعمال عنف، أبرزها تفجير مخازن تجهيزات المفاعل في ميناء لاسين سور مير جنوبي شرقي فرنسا عام 1979، مما أدى إلى خسارة كبيرة وتأخير التسليم مدة سنة كاملة.
كما قُتل المهندس المصري يحيى المشدّ، المكلف بالتواصل مع المسؤولين الفرنسيين، في باريس عام 1980 في ظروف غامضة لم تكشف التحقيقات الفرنسية الجهة المسؤولة عنها.
رعب إسرائيل من امتلاك أي دولة للسلاح النووي
واصل العراق بناء مشروعه النووي بالتعاون مع فرنسا، حتى نفذت إسرائيل في 7 يونيو/حزيران 1981 عملية عسكرية عُرفت باسم أوبرا، استهدفت فيها مفاعل تموز النووي. إذ أقلعت 8 مقاتلات من طراز إف-16 مدعومة بطائرات إف-15، وعبرت الأجواء العربية وصولا إلى بغداد، حيث حلّقت على ارتفاع منخفض وأطلقت قنابلها التي دمرت المفاعل بالكامل في دقائق، قبل أن تعود الطائرات إلى قواعدها دون خسائر.
أعلنت إسرائيل مسؤوليتها عن الهجوم بعد يوم من وقوعه، مبررة العملية بأن المفاعل كان قادرا على إنتاج سلاح نووي يشكل تهديدا وجوديا لها. وأثارت العملية تنديدا دوليا واسعا باعتبارها أول هجوم من نوعه على منشأة نووية، إذ أدان مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة العملية بالإجماع.
لاحقا، أظهرت وثائق أمريكية رُفعت عنها السرية عام 2021 أن مسؤولين فرنسيين أكدوا لواشنطن عام 1980 أن تصميم مفاعل تموز ونوعية المواد المقدمة للعراق لا يسمحان بإنتاج سلاح نووي. وذكرت الوثاق أن مهندسين فرنسيين كانوا يغيرون سرا التركيبة الكيميائية لليورانيوم المسلّم للعراق لجعله غير صالح لإنتاج أسلحة، مما ألقى بظلال من الجدل على مبررات الضربة الإسرائيلية وأعاد النقاش حول طبيعة التهديد الذي مثّله المفاعل آنذاك. حسب الجزيرة.
في 5 سبتمبر/أيلول 2007، نفذت إسرائيل غارة جوية استهدفت منشأة الكُبر في محافظة دير الزور شرقي سوريا، التي أكدت دمشق أنها منشأة للأبحاث الزراعية، في حين قالت تل أبيب إنها مشروع مفاعل نووي كانت سوريا تبنيه بمساعدة خبراء من كوريا الشمالية. شاركت في العملية مقاتلات من طراز إف-16 ترافقها طائرات إف-15، وانطلقت من جنوب إسرائيل باتجاه العمق السوري، حيث دمرت المنشأة في غارة ليلية خاطفة.
مذكرات بوش تفضح الاحتلال
ولم تعترف إسرائيل رسميا بالعملية إلا في 21 مارس/آذار 2018، بعد أكثر من 10 سنوات من التكتم، مؤكدة مسؤوليتها عن تدمير ما وصفته بمفاعل نووي سوري. ونُفذت الضربة في أثناء ولاية رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، الذي صرح لاحقا بأن بلاده قررت تدمير المنشأة فور اكتشافها، معتبرا أنه “يستحيل قبول وجود مفاعل نووي على حدودنا”.
وكشف الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن في مذكراته أنه رفض طلبا إسرائيليا بضرب المنشأة دون إعلان المبررات، غير أن إسرائيل مضت في تنفيذ العملية منفردة. واعتُبرت الغارة امتدادا عمليا لما يُعرف بعقيدة بيغن، خاصة بعد عدم صدور رد عسكري مباشر من سوريا، على غرار ما حدث عقب قصف مفاعل تموز العراقي عام 1981.
مع مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ركزت إسرائيل جهودها على متابعة البرنامج النووي الإيراني، متبنية مجموعة من الأساليب لمواجهته، شملت الهجمات الإلكترونية والعمليات الاستخباراتية الدقيقة، سعيا لعرقلة تقدمه ومنع امتلاك إيران قدرات نووية تهدد أمنها. وفي عام 2025، برزت عقيدة بيغن إطارا رئيسيا للاستراتيجية الإسرائيلية مع تصاعد التوترات مع إيران.




