لم يعد الجدل في لبنان يدور حول دور حزب الله بقدر ما أصبح يتمحور حول مصير الدولة نفسها. فالمعادلة القائمة منذ سنوات، والتي حاولت التوفيق بين وجود دولة ذات سيادة وميليشيا تمتلك قرار الحرب والسلم، وصلت اليوم إلى حائط مسدود. ما نشهده ليس مجرد خلاف سياسي عابر، بل صراع عميق على طبيعة الكيان اللبناني: هل هو دولة أم ساحة مفتوحة؟
منذ اندلاع التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران، حاولت القيادة اللبنانية إرسال إشارات واضحة إلى الداخل والخارج. البيان الرسمي الذي حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله واعتبرها خارجة عن القانون كان خطوة متقدمة، لكنه بقي نصف حل. إذ لا يمكن منطقياً فصل الجناح العسكري عن السياسي في تنظيم يقوم أساساً على ترابط هذين البعدين. القبول بحزب الله كفاعل سياسي طبيعي، في ظل احتفاظه بسلاحه، يعني عملياً شرعنة ازدواجية السلطة، وتكريس نموذج “الدولة داخل الدولة”.
المشكلة لا تكمن فقط في السلاح بحد ذاته، بل في المرجعية التي تحكم هذا السلاح. فقرار حزب الله لا يُصاغ بالكامل داخل المؤسسات اللبنانية، بل يرتبط – بشكل أو بآخر – بحسابات إقليمية تتجاوز حدود البلاد. وهذا ما يجعل إشراكه في الحكم أشبه بإدخال عامل خارجي إلى قلب القرار السيادي اللبناني، وهو أمر لا يمكن لدولة تبحث عن الاستقرار أن تتحمله إلى ما لا نهاية.
التصريحات الأخيرة للقيادي في الحزب، محمود قماطي، جاءت لتؤكد خطورة هذا المسار. حين يُشبّه حكومة بلاده بحكومة فيشي الفرنسية، ويلمح إلى مصير “الخونة”، فهو لا يطلق مجرد موقف إعلامي، بل يوجه رسالة تهديد صريحة. هذا الخطاب لا يمكن قراءته إلا كإعلان استعداد لاستخدام القوة في مواجهة الدولة إذا ما قررت فرض سيادتها. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: الانتقال من خلاف سياسي إلى منطق الغلبة.
في هذا السياق، برزت تقارير عن تشجيع أميركي لسوريا للنظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله. ورغم نفي المبعوث الأميركي توم براك، فإن مجرد طرح الفكرة يعكس حجم القلق الدولي من انفلات الوضع. لكن الواقعية تفرض الاعتراف بأن سوريا، المثقلة بأزماتها الداخلية، ليست في موقع يسمح لها بخوض مواجهة خارج حدودها. كما أن العلاقة المعقدة بينها وبين لبنان لا تزال تعاني من ملفات عالقة تجعل أي تنسيق عسكري أمراً بالغ الحساسية.
ومع ذلك، فإن هذه اللحظة قد تحمل فرصة لإعادة التفكير في العلاقات الإقليمية، شرط أن يكون الهدف هو دعم استقرار لبنان لا تحويله إلى ساحة تصفية حسابات جديدة.
في النهاية، يبقى الجيش اللبناني المؤسسة الوحيدة المخولة بحمل السلاح. هذه ليست مجرد قاعدة قانونية، بل شرط أساسي لبقاء الدولة. أي تساهل في هذا المبدأ يعني فتح الباب أمام مزيد من التفكك. لكن فرض هذا الواقع على الأرض ليس مهمة سهلة، خاصة في ظل ميزان القوى الحالي.
من هنا، يبرز الحديث عن ضرورة دعم دولي جدي. ليس المقصود تدخلاً عسكرياً تقليدياً، بل تحالفاً سياسياً وأمنياً قادراً على توفير الغطاء والقدرات اللازمة للدولة اللبنانية كي تستعيد احتكارها للقوة. تجربة السنوات الماضية أثبتت أن الضغوط المحدودة أو العقوبات الجزئية لا تكفي لتغيير المعادلة.
لبنان ليس بلداً يحتمل مغامرات من هذا النوع. تركيبته الطائفية الهشة تجعل أي انزلاق نحو العنف بمثابة شرارة قد تشعل حريقاً لا يمكن السيطرة عليه. والتجربة التاريخية لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية: الحرب الأهلية حين تبدأ، لا تنتهي بقرار، بل تستمر حتى استنزاف الجميع. والأسوأ أن تداعياتها لا تبقى داخل الحدود، بل تمتد إلى الإقليم، خاصة في ظل التشابك الحالي بين ملفات المنطقة.
السؤال الحقيقي ليس ماذا يجب فعله، بل هل هناك استعداد فعلاً لفعل أي شيء؟ لأن التجارب السابقة أظهرت أن الجميع يعرف المشكلة، لكن لا أحد يريد دفع كلفة الحل. الحديث عن الدولة وسيادتها جميل، لكن من دون قرار واضح بحصر السلاح، سيبقى مجرد كلام يتكرر في البيانات.
أي حل جدي يبدأ من نقطة واحدة لا يمكن الالتفاف عليها: لا دولة بوجود قوة عسكرية خارجها. كل ما عدا ذلك تفاصيل. إشراك حزب مسلح في الحكم لم يُنتج توازناً، بل شلّ الحياة السياسية وفرض إيقاع القوة على المؤسسات.
لكن المشكلة أن هذا القرار لا يمكن أن يُنفذ بالشعارات. يحتاج إلى غطاء سياسي داخلي صلب، وإلى دعم خارجي حقيقي، لا يكتفي بإبداء القلق أو إصدار المواقف. من دون ذلك، سيبقى الوضع كما هو: دولة ضعيفة تتعايش مع واقع مفروض عليها.




