في الرباط وموسكو، يتزاحم الاقتصادي مع السياسي على تخوم ملف شائك عمر نصف قرن. تجديد اتفاق الصيد البحري بين المغرب وروسيا لأربع سنوات ابتداءً من أكتوبر 2025، بما ينصّ عليه من حصص سنوية ومناطق صيد مضبوطة على امتداد الساحل الأطلسي للمملكة، منح التعاون الثنائي دفعةً ملموسة، ورسالةً غير مباشرة عن استعداد موسكو لتكثيف حضورها في فضاءٍ تعتبره الرباط امتدادًا لسيادتها، بما في ذلك الأقاليم الجنوبية. الإعلان الرسمي جاء متزامنًا من وزارة الخارجية المغربية ووكالة المغرب العربي للأنباء، وأكّدته تقارير دولية متطابقة.
على الضفة الأخرى من المعادلة، صاغ سيرغي لافروف في 13 أكتوبر 2025 صيغةً «مرِنة» لكنها غير مسبوقة في لهجة الدبلوماسية الروسية تجاه الصحراء: تمسُّكٌ بإطار قرارات مجلس الأمن وحق تقرير المصير عبر التفاوض، مع «ترحيب» بخيار الحكم الذاتي المغربي بوصفه أحد أوجه تقرير المصير المعترف بها أمميًا، شرط موافقة الأطراف وإشراف الأمم المتحدة. هذا الإسناد اللغوي لا يرقى إلى اعتراف بالسيادة، لكنه يفتح نافذةً لتموضعٍ روسي جديد ينقل موسكو من حيادٍ متحفّظ إلى قبول «خيارٍ واقعي» مطروح مغربيًا. نص التصريحات منشور على موقع الخارجية الروسية وأعادت تفصيله تغطيات صحافية.
التوقيت ليس تفصيلاً
ينطوي التوقيت على دلالات أعمق من مجرد تزامن بين تجديد اتفاق الصيد البحري وموقف لافروف الجديد. فولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو) تنتهي في 31 أكتوبر 2025، أي في لحظة حساسة تسبق جلسة مجلس الأمن التي ستعيد النقاش حول جوهر المهمة الأممية: هل تظلّ البعثة إطارًا لمراقبة وقف إطلاق النار وانتظار استفتاء مؤجل منذ عقود، أم تتحوّل إلى آليةٍ لتقريب وجهات النظر حول مقترح الحكم الذاتي المغربي الذي يحظى بدعمٍ متزايد من عواصم كبرى؟
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن أيّ تصريح صادر عن عضو دائم في مجلس الأمن، مثل روسيا، قبل أسابيع من جلسة التجديد، يكتسب وزنًا سياسيًا مضاعفًا. فالكلمات هنا ليست مواقف فحسب، بل «إشارات اختبار» لردود فعل الأطراف المعنية: الرباط والجزائر والبوليساريو، وحتى القوى الغربية التي تدفع باتجاه تسوية “واقعية” تضمن الاستقرار الإقليمي من دون تغيير جوهري في موازين السيطرة الميدانية.
وعندما يتحدث لافروف عن أن الحكم الذاتي يمكن أن يكون «أحد أوجه تقرير المصير»، فهو عمليًا يساهم في إعادة تعريف المفهوم الأممي نفسه، الذي ظلّ لعقود مرادفًا للاستفتاء الشعبي. بهذا المنظور، تتحرك موسكو في الهامش الأممي بذكاءٍ دبلوماسي: لا تعترف رسميًا بمغربية الصحراء، لكنها تدفع باتجاه توسيع مفهوم تقرير المصير ليشمل الصيغ التوافقية التي تطرحها الرباط، وهو ما يتماشى مع مصالحها في الحفاظ على موقع متوازن بين الجزائر والمغرب.
وبينما تنتظر المنطقة صدور القرار الأممي المقبل، يبدو أن روسيا لا تسعى إلى كسر القواعد، بل إلى إعادة ترتيبها بما يخدم مصالحها المتقاطعة: نفوذ اقتصادي متزايد في المياه الأطلسية المغربية، وحضور سياسي في ملفات شمال إفريقيا، من دون خسارة حليفتها العسكرية التقليدية في الجزائر.
بهذه الحسابات الدقيقة، يصبح «التوقيت» جزءًا من السياسة نفسها، ونافذةً لقياس درجة استعداد موسكو لتكون لاعبًا مؤثرًا في صياغة «تقرير المصير» بنسخته الجديدة.
بين صرامة الجزائر وبراغماتية موسكو: توازن هش في معركة المفاهيم
الجزائر، التي تنطلق من إرثها التحرري الطويل، ترى في قضية الصحراء امتدادًا طبيعيًا لتاريخها مع الاستعمار، وتتعامل معها كمسألة مبدأ لا تخضع للمساومات. فهي تعتبر أن حق تقرير المصير للشعب الصحراوي ليس بندًا تفاوضيًا، بل التزامًا أخلاقيًا وأمميًا ينبغي أن يُترجم باستفتاء حرّ يختار فيه الصحراويون مستقبلهم دون ضغوط.
هذا الثبات في الموقف منح الجزائر صورة “الحارس الأخير” لمفهوم تقرير المصير بمعناه الكلاسيكي، لكنها تجد نفسها اليوم أمام واقعٍ دبلوماسي متغيّر، تقوده قوى كبرى، في مقدمتها روسيا، تسعى إلى إعادة تعريف المفهوم ضمن مقارباتٍ توافقية أكثر مرونة.
أما موسكو، فتعتمد براغماتية دقيقة تُوازن بين مبادئ القانون الدولي ومصالحها الجيوسياسية. فهي تدرك أن أيّ ميلٍ حاد نحو الرباط سيكلّفها خسارة شريكٍ استراتيجي بحجم الجزائر، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تُقصى عن فرص النفوذ الاقتصادي والسياسي التي يتيحها المغرب. لذلك، تتبنّى لغة مزدوجة ومحسوبة: دعمٌ رسمي لقرارات الأمم المتحدة، مع “ترحيبٍ مشروط” بالحكم الذاتي المغربي بوصفه خيارًا تفاوضيًا قابلًا للنقاش.
بهذه المقاربة، تحاول روسيا أن تتقدّم خطوة من دون أن تكسر الجسر مع الجزائر، بينما تواصل الأخيرة التشبث بخطابها المبدئي، مدركة أن المعركة لم تعد فقط على الأرض، بل على المعاني نفسها — على تعريف “تقرير المصير” في عالمٍ يعاد رسم قواعده على مقاس المصالح لا المبادئ.
الجزائر بين ثبات المبدأ وقلق التحوّل
لم يكن تصريح لافروف مجرّد انزياح لغوي في بيانٍ دبلوماسي، بل حدثًا سياسياً صامتاً يُحرّك المياه الجزائرية التي طال ركودها حول قضية الصحراء الغربية. فمنذ الاستقلال، بنت الجزائر سرديتها الرسمية على قاعدة واحدة لا تتزعزع: الاستفتاء الشعبي هو التعبير الوحيد عن حق تقرير المصير. هذه القاعدة ليست مجرد موقف سياسي، بل ركيزة لهوية دبلوماسية شكّلت جوهر سياستها الخارجية لعقود، وميزت حضورها في القارة الإفريقية والمحافل الدولية.
لذلك، فإن أيّ ترقيةٍ أممية أو دولية لخطة الحكم الذاتي المغربي، تُفهم في الجزائر كتهديد مباشر لبنية شرعيتها الأخلاقية والقانونية. فكلّ اعترافٍ ضمني أو ترحيبٍ دولي بالحكم الذاتي يعني، في نظرها، «تحويلاً للمفهوم» من تقرير مصير الشعوب إلى تسوية سياسية ترعاها التوازنات الدولية، وهو ما تعتبره الجزائر اختزالاً لقضية تصفها بأنها «آخر استعمار في إفريقيا».
تاريخياً، لم تتردد الجزائر في الردّ على المواقف التي تميل لصالح الرباط بنبرةٍ عالية. فحين وصفت واشنطن سنة 2020 مقترح الحكم الذاتي بأنه «جدي وواقعي»، استدعت الجزائر سفيرها، وشنّت وسائل إعلامها حملة انتقادية واسعة ضد ما اعتبرته “انحيازاً للضمّ”. الموقف نفسه تكرّر بدرجات متفاوتة تجاه إسبانيا، وألمانيا، ثم فرنسا. كل تلك السوابق تجعل من الترحيب الروسي الأخير، حتى وإن جاء بعبارات مشروطة، سبباً كافياً لقلقٍ سياسي داخل دوائر صنع القرار في الجزائر.
ومع ذلك، فإن الخصوصية الروسية تجعل ردّ الجزائر مختلفًا عن ردّها على العواصم الغربية. فموسكو ليست فقط شريكًا عسكريًا تقليديًا، بل حليفًا استراتيجياً يوفّر للجزائر أحد أهم مصادر التسليح والدعم السياسي في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي. لذا، من المرجّح أن يتّخذ القلق الجزائري شكل انزعاجٍ مكتومٍ أكثر منه قطيعةٍ علنية، ريثما تتضح حدود التحوّل الروسي، ومدى ارتباطه بالصفقات الاقتصادية التي توسّعت مؤخرًا مع الرباط.
بهذه المعادلة الحساسة، تجد الجزائر نفسها أمام اختبارٍ مزدوج: أن تحافظ على صرامة موقفها دون خسارة شريكها الشرقي، وأن تمنع في الوقت ذاته تمدّد الخطاب الدولي الذي يحوّل «الاستفتاء» إلى «حكم ذاتي توافقي». وإذا ما تكرّر هذا النمط من المواقف في عواصم أخرى، فإن ما تعتبره الجزائر قضية تصفية استعمار، قد يتحول تدريجياً إلى ملف تفاوضي مغربي الطابع تُرسم حدوده في مكاتب مجلس الأمن، لا في شعارات الجبهة الصحراوية.
رغم كل المؤشرات التي توحي بتحوّلٍ ناعم في الخطاب الروسي حول الصحراء، فإن العلاقات الجزائرية–الروسية تظل أعمق من أن تُقاس بتصريحٍ أو بملفٍّ واحد. إنها علاقة تقوم على بنيةٍ استراتيجية متشابكة، تمتد من مصانع السلاح إلى أنابيب الغاز، ومن غرف الاستخبارات إلى ملفات الأمن في الساحل الإفريقي والبحر الأبيض المتوسط. لذلك، تتعامل موسكو مع أي توترٍ سياسي محتمل في هذا الملف بحذرٍ محسوب، إدراكًا منها أن الجزائر تمثل واحدة من آخر «الركائز الصلبة» لنفوذها في إفريقيا والعالم العربي.
في موازاة ذلك، تواجه روسيا واقعًا جيوسياسيًا معقّدًا بعد حرب أوكرانيا والعقوبات الغربية التي قلّصت حضورها في أوروبا ودوائرها التقليدية، ما جعلها تبحث عن هوامش نفوذ جديدة في الجنوب، ولا سيما في شمال إفريقيا. من هنا، تبدو الرباط بالنسبة لموسكو فرصة اقتصادية ودبلوماسية: منفذ إلى الأطلسي، سوق بحرية، شراكة في الصيد والطاقة، وربما أيضًا بوابة للتوازن مع الغرب عبر علاقةٍ لا تخضع لهيمنة واشنطن أو بروكسل.
لكنّ هذا الانفتاح لا يعني أن موسكو مستعدة للمغامرة بفقدان شريكٍ كاستراتيجي كالجزائر، التي تعدّ ثاني أكبر مستوردٍ للسلاح الروسي بعد الهند، ورافعة سياسية في القارة الإفريقية، وعضواً فاعلاً في مسار «بريكس بلس». لذلك تسعى روسيا إلى هندسة وضعية توازنٍ معقّدة:
-
إبقاء خطابها الأممي التقليدي قائمًا على «تقرير المصير والحلّ التفاوضي»،
-
مع إظهار انفتاحٍ عملي على مقترح الحكم الذاتي المغربي، بوصفه صيغة تفاوضية لا تتناقض – نظريًا – مع قرارات الأمم المتحدة.
هذا التموضع يتيح لموسكو اللعب على الحبلين: الاستفادة من الامتيازات الاقتصادية مع المغرب دون خسارة امتيازاتها العسكرية مع الجزائر. وقد أظهرت تقارير مجلس الأمن الأخيرة أن روسيا ما زالت حريصة على الصياغة المتوازنة في قرارات الصحراء، إذ لم تصوّت قط لصالح أي نصّ يُعتبر مؤيدًا صراحةً للمغرب، لكنها أيضًا لم تُعرقل مشاريع القرارات الغربية الداعمة للحكم الذاتي، مكتفية بتعليقاتٍ تفسيرية تحفظ «المرجعية الأممية» دون صدام.
في هذا المشهد الدقيق، تتحرك موسكو ضمن هامشٍ ذكي من البراغماتية: لا تريد أن تُصنَّف في خندقٍ معادٍ للرباط، ولا أن تفقد عمقها الجزائري. هي تلعب لعبة «الحياد الموجَّه»، التي تمكّنها من تحويل كلّ طرفٍ إلى حاجةٍ للآخر. الجزائر تحتاج إلى استمرار الدعم الروسي في السلاح والفيتو الأممي، والمغرب يحتاج إلى حيادٍ روسي لا يُعرقل تمدده الدبلوماسي. وبين الاثنين، تواصل موسكو تثبيت موطئ قدمٍ في منطقةٍ استراتيجية لم تعد فيها التحالفات تُبنى على الإيديولوجيا، بل على معادلة المصالح المتغيرة.
ثلاثية جديدة ترسم ملامح المرحلة المقبلة
في الرباط، يُنظر إلى تجديد اتفاق الصيد البحري مع روسيا كأكثر من صفقةٍ اقتصادية؛ إنه تطبيع مؤسسي مع خرائط السيادة المغربية كما تراها المملكة. فالاتفاق يغطي فعليًا مياه الصحراء الغربية، ما يعني أن موسكو، عبر التوقيع، تتعامل بحكم الأمر الواقع مع هذه المناطق باعتبارها جزءًا من النفوذ المغربي. سيُقدَّم هذا في الخطاب الداخلي بوصفه انتصارًا دبلوماسيًا ناعمًا يعكس تنامي القبول الدولي بالموقف المغربي، ويُستثمر إعلاميًا لتأكيد أن الشركاء الكبار باتوا «يمارسون» ما لم يعلنوه بعد، أي القبول العملي بالسيادة المغربية الكاملة على أقاليمها الجنوبية.
تغطيات رويترز ووكالة المغرب العربي للأنباء (MAP) أبرزت هذا الجانب الاقتصادي الممزوج بالإيحاء السياسي، معتبرة أن الاتفاق يندرج ضمن “الاستمرارية الطبيعية للشراكة الاستراتيجية” بين الرباط وموسكو.
أما في موسكو، فالمعادلة أكثر دقّة. الترحيب بالحكم الذاتي المغربي سُوِّق من وزارة الخارجية الروسية كاجتهادٍ «يتحرك داخل الشرعية الدولية»، وليس خروجًا عنها. هذا الخطاب يهدف إلى التموضع بين الموقفين المتعارضين: فهو يمنح الرباط إشارة رمزية إلى انفتاح روسي على رؤيتها، وفي الوقت نفسه يُبقي لموسكو غطاءً قانونيًا لتبرير موقفها أمام الجزائر وأمام الأمم المتحدة. من وجهة نظر الكرملين، هذه خطوة مدروسة تسمح له بالتقدّم خطوة نحو المغرب دون القطيعة مع الجزائر، وتمنحه هامش تحركٍ أوسع في مجلس الأمن في حال طُرح تعديل في مهام بعثة “المينورسو” أو في صياغة قراراتها المقبلة. تصريحات لافروف التي نقلتها أسوشييتد برس (AP News) ورويترز أكدت هذا التوازن الحذر، مشددة على أن “الحكم الذاتي أحد أوجه تقرير المصير إذا تم التوافق عليه أمميًا”.
وفي الجزائر، تبدو اللحظة أشبه باختبارٍ مزدوج: كيف تحافظ على صرامة خطابها دون خسارة شريكها الشرقي، وكيف تدير ردود فعلها أمام دينامياتٍ إقليمية تميل بوضوح نحو الرباط. فمع تزايد الاعترافات الأوروبية بمقترح الحكم الذاتي، وتنامي العلاقات المغربية مع قوىٍ كفرنسا وألمانيا وإسبانيا، تجد الجزائر نفسها في موقعٍ دفاعي دبلوماسي، خصوصًا بعد تراكم التوترات الثنائية التي أضعفت قدرتها على تعبئة دعمٍ غربي لقضيتها. التحليلات التي نشرتها AP وReuters ووسائل إعلام مغربية رسمية تُظهر أن موسكو تدرك تمامًا هذا الميزان، وتسعى إلى الحفاظ على خيوطها مع الجزائر من دون أن تُضيّع فرصة الشراكة مع المغرب.
روسيا تعيد تموضعها ببطء في صحراء التحولات المغاربية
من منظور موسكو، لا يمثّل التقارب مع الرباط اصطفافًا جديدًا بقدر ما يعكس تكيّفًا براغماتيًا مع التحولات الجارية داخل أروقة الأمم المتحدة. فالمفهوم التقليدي لـ«تقرير المصير»، الذي ارتبط لعقود بالاستفتاء الشعبي، بات اليوم عرضةً لإعادة تفسير أكثر مرونة، تقوم على حلولٍ تفاوضية وتوافقية، تتقدّمها خطة الحكم الذاتي المغربي. في هذا الإطار، ترى روسيا أن الانفتاح على هذا الطرح لا يعني خيانة لمبدأ أممي، بل تحديثًا له يتماشى مع التطورات الواقعية في الميدان ومع رغبة مجلس الأمن في الحفاظ على استقرار المنطقة.
لكنّ موسكو تدرك في الوقت نفسه أن أيّ تحوّل جذري في موقفها سيحمل كلفة سياسية واستراتيجية عالية. فالجزائر ليست مجرد شريك اقتصادي أو زبون سلاح؛ إنها حليفٌ راسخ منذ الحقبة السوفياتية، وركيزة نفوذ روسي في إفريقيا والساحل المتوسطي. أيّ انزلاقٍ نحو اعترافٍ صريح بمغربية الصحراء يعني عمليًا خسارة موقعٍ استراتيجي لطالما شكّل أحد آخر مواضع التمدد الروسي في الجنوب، في وقتٍ تتعرض فيه موسكو لحصارٍ جيوسياسي متزايد بعد الحرب في أوكرانيا.
من هنا، تعتمد روسيا سياسة “الميل دون الانقلاب”: تميل نحو المغرب اقتصاديًا ودبلوماسيًا، لكنها لا تنقلب على الجزائر سياسيًا. تفتح نوافذ للرباط عبر لغةٍ ناعمة تُشيد بالحكم الذاتي كخيار واقعي، وتُغلق الباب أمام أيّ تأويل يمكن أن يُفهم كاعتراف بالسيادة. إنها صيغة “التحرّك داخل الهامش” لا خارجه، التي تسمح لموسكو بأن تحصد المكاسب دون أن تدفع الثمن الكامل.
هذا التوازن الحذر هو جوهر الاستراتيجية الروسية الحالية: تقدّم محسوب نحو المغرب، وتراجع محسوب عن القطيعة مع الجزائر. وبين هذين الحدّين تتحرك موسكو بخيوط دقيقة، تحسب كل كلمةٍ في بياناتها، وتختبر ردود الأفعال في العواصم المغاربية بدقة البوصلة. إنها دبلوماسية “البراغماتية الباردة” التي لا تسعى إلى الانتصار لأحد الطرفين، بقدر ما تسعى إلى ضمان بقائها فاعلًا في معادلةٍ تتغيّر دون أن يُسأل اللاعب الروسي عن غيابه.






