بدأ لبنان لملمة خسائره الثقيلة مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ، لكن الواقع الميداني لا يزال يعكس هشاشة هذه التهدئة. فرغم الإعلان الرسمي، شهدت الساعات الأولى خرقًا واضحًا تمثّل في غارة بطائرة مسيرة أسفرت عن سقوط قتيل، ما أعاد المخاوف من انهيار سريع للاتفاق.
وتزامن ذلك مع إعلان الجيش الإسرائيلي فرض منطقة عازلة تمتد على عشرات البلدات جنوب البلاد، بينها مناطق لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية، مع منع السكان من العودة إليها، الأمر الذي عمق الأزمة الإنسانية وزاد من معاناة آلاف النازحين الذين وجدوا أنفسهم أمام دمار واسع وبنية تحتية منهارة.
رسائل سياسية حاسمة من بيروت
في أول خطاب له عقب تثبيت الهدنة، وجّه الرئيس اللبناني جوزيف عون رسائل حاسمة للداخل والخارج، مؤكدًا أن لبنان دخل مرحلة جديدة عنوانها استعادة القرار السيادي.
وشدد عون على أن بلاده لم تعد ورقة في يد أي طرف إقليمي أو دولي، بل دولة مستقلة تملك قرارها، مشيرًا إلى أن المفاوضات الجارية ليست تعبيرًا عن ضعف، بل خيار استراتيجي لحماية الشعب وإنهاء دوامة الصراعات، كما أبدى استعداده للتحرك على كافة المستويات لتحرير الأراضي اللبنانية وتأمين الاستقرار.
وفي تطور لافت، تدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشكل مباشر، معلنًا موقفًا حازمًا تجاه التصعيد الإسرائيلي، حيث أكد أنه لن يسمح باستمرار القصف على لبنان، في إشارة إلى تحول نسبي في الموقف الأميركي.
تصريحات ترمب حملت نبرة غير معتادة، إذ شدد على أن “الكيل قد طفح”، متعهدًا بالتعامل مع تهديدات حزب الله بوسائل مختلفة، في وقت وعد فيه بدعم استقرار لبنان وفتح صفحة جديدة عنوانها إعادة الإعمار وتعزيز الدولة.
تل أبيب تلوح بالتصعيد
وعلى الجانب الآخر، بدا رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أقل التزامًا بروح التهدئة، حيث أعلن صراحة أن العمليات العسكرية لم تنتهِ بعد، وأن بلاده تدرس خطوات إضافية لمواجهة ما وصفه بتهديدات الصواريخ والطائرات المسيرة.
ويعكس هذا التصريح فجوة واضحة بين المسار السياسي الذي تدفع به واشنطن، والرؤية الأمنية الإسرائيلية التي لا تزال ترى في الساحة اللبنانية مصدر تهديد مستمر
وعلى الأرض، تتكشف ملامح أزمة إنسانية عميقة، حيث يواصل آلاف النازحين محاولاتهم العودة إلى قراهم رغم المخاطر، في ظل دمار واسع طال الجسور والطرق والمنازل.
مشاهد عبور المدنيين فوق الجسور المدمرة تختصر حجم المعاناة، وتؤكد أن إعادة الإعمار لن تكون مهمة سهلة، بل تتطلب جهودًا دولية وإقليمية ضخمة، إضافة إلى استقرار أمني طويل الأمد.
نحو اتفاق دائم أم هدنة مؤقتة؟
ورغم المؤشرات الإيجابية التي حملها وقف إطلاق النار، يبقى السؤال الأهم: هل تمثل هذه الهدنة بداية لمسار سياسي دائم، أم مجرد استراحة قصيرة في صراع مفتوح؟
المعطيات الحالية تشير إلى أن مستقبل الاتفاق مرهون بعدة عوامل، أبرزها مدى التزام الأطراف بوقف التصعيد، وقدرة الوسطاء الدوليين على تحويل التهدئة إلى اتفاق شامل يعالج جذور الأزمة، وليس فقط تداعياتها.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يقف لبنان عند مفترق طرق حاسم، بين فرصة نادرة لاستعادة الاستقرار، وخطر الانزلاق مجددًا إلى دائرة العنف.




