دخلت المواجهة على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، بعدما صعدت إسرائيل عملياتها العسكرية بصورة غير مسبوقة منذ الهدنة الأخيرة، مرفقة ذلك بتهديدات سياسية وعسكرية رفعت منسوب التوتر إلى مستويات جديدة.
وبينما تتسع دائرة القصف جنوب لبنان، تتزايد المخاوف من انتقال التصعيد إلى قلب العاصمة بيروت، في ظل خطاب إسرائيلي يتجاوز حدود الردع التقليدي ويتجه نحو معادلات أكثر حدة.
وفي المقابل، يتمسك لبنان الرسمي بمسار التفاوض باعتباره الخيار الوحيد لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي واحتواء الانفجار الإقليمي، رغم اتساع رقعة المواجهات وتزايد المؤشرات على احتمال دخول المنقة مرحلة أكثر اضطراباً.
أعنف ضربات منذ هدنة أبريل
وشهد الجنوب اللبناني خلال الساعات الأخيرة واحدة من أكثر موجات التصعيد العسكري عنفاً منذ التوصل إلى هدنة أبريل الماضي، حيث نفذ الجيش الإسرائيلي حملة واسعة استهدفت مناطق عدة، تركزت بشكل أساسي في مدينتي صور والنبطية.
وتسببت الغارات في أجواء من التوتر والقلق داخل المناطق المستهدفة، وسط مخاوف من اتساع نطاق العمليات العسكرية إلى مناطق إضافية، خاصة مع التصريحات الإسرائيلية التي حملت إشارات واضحة إلى استمرار الضربات بوتيرة أكبر خلال الفترة المقبلة.
ويرى مراقبون أن طبيعة الهجمات الأخيرة توحي بوجود تحول في قواعد الاشتباك، في ظل محاولات إسرائيل فرض ضغوط ميدانية وسياسية متزامنة على لبنان و«حزب الله».
نتنياهو يرفع سقف المواجهة
وفي تصعيد سياسي لافت، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه أصدر تعليمات واضحة للجيش بتكثيف العمليات العسكرية ضد لبنان، متعهداً بـ”سحق حزب الله”، في تصريح اعتبره مراقبون مؤشراً على توجه أكثر تشدداً داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية.
وتعكس تصريحات نتنياهو توجهاً يسعى إلى إظهار الحزم في التعامل مع الجبهة الشمالية، خاصة في ظل الضغوط الداخلية التي تواجه حكومته، والانتقادات المتعلقة بإدارة الملفات الأمنية والعسكرية.
كما يرى محللون أن لغة “السحق” تعكس رغبة إسرائيلية في توجيه رسائل ردع قوية ليس فقط إلى «حزب الله»، بل أيضاً إلى الأطراف الإقليمية المرتبطة بالمشهد اللبناني.
وزراء اليمين يطالبون باستهداف بيروت
لكن التصعيد لم يتوقف عند تصريحات نتنياهو، بل تجاوز ذلك إلى دعوات أكثر تشدداً صدرت عن شخصيات بارزة داخل الحكومة الإسرائيلية.
وطالب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بقطع الكهرباء عن لبنان والاستيلاء على نهر الزهراني واستئناف العمليات العسكرية المكثفة، في طرح يعكس توجهاً يقوم على فرض ضغوط مباشرة تتجاوز الأهداف العسكرية التقليدية.
في المقابل، دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى هدم عشرة مبان في بيروت مقابل كل طائرة مسيّرة يتم إطلاقها فوق شمال إسرائيل، في تصريحات أثارت ردود فعل واسعة باعتبارها تعكس اتجاهاً تصعيدياً غير مسبوق.
ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تكشف حجم النفوذ المتزايد لتيار اليمين المتشدد داخل الحكومة الإسرائيلية، وتأثيره على مسار القرارات المرتبطة بالملف اللبناني.
ذكرى التحرير تعود وسط واقع مختلف
وجاء التصعيد الأخير في توقيت يحمل دلالات سياسية ورمزية، إذ تزامن مع الذكرى السادسة والعشرين لتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي.
لكن المفارقة أن هذه المناسبة تأتي في ظل واقع ميداني مختلف؛ إذ تشير المعطيات إلى استمرار سيطرة إسرائيل على أكثر من 42 بلدة وقرية، إضافة إلى وجود شريط حدودي واسع شبه خالٍ من السكان نتيجة الظروف الأمنية.
ويعيد هذا المشهد طرح تساؤلات حول مستقبل الوضع الحدودي وإمكانية العودة إلى استقرار طويل الأمد، في ظل استمرار المواجهات المتقطعة والتوترات العسكرية.
«حزب الله» والتصعيد المستمر
في المقابل، لا تظهر مؤشرات واضحة على تراجع حدة التصعيد من جانب «حزب الله»، الذي يواصل التمسك بخياراته الميدانية والعسكرية.
ويرى متابعون أن الحزب يعتبر أن الضغوط العسكرية الإسرائيلية تستدعي استمرار سياسة الردع، فيما تعتقد إسرائيل أن تكثيف الضربات قد يفرض معادلة جديدة على الأرض.
هذا التباين في الحسابات يرفع من احتمالات استمرار التوتر، وربما توسعه إلى مستويات أكثر تعقيداً إذا لم تنجح الجهود السياسية في احتواء الموقف.
لبنان الرسمي يتمسك بالدبلوماسية
وفي خضم هذه الأجواء، برز موقف لبنان بمحاولة الحفاظ على المسار السياسي، حيث شدد الرئيس جوزيف عون على أن التفاوض يظل الطريق الوحيد لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي.
ويعكس هذا الموقف حرص بيروت على تجنب الانزلاق نحو مواجهة شاملة قد تكون كلفتها السياسية والاقتصادية والإنسانية مرتفعة للغاية، كما يؤكد تمسك الدولة اللبنانية بخيار الحلول الدبلوماسية، رغم الضغوط الميدانية المتصاعدة.
ويبدو أن الجبهة اللبنانية تقف حالياً عند مفترق طرق بالغ الحساسية؛ فبين التصعيد العسكري الإسرائيلي، وتصاعد خطاب اليمين المتشدد، واستمرار المواجهات على الأرض، تتزايد المخاوف من اتساع رقعة الأزمة.
ومع كل جولة جديدة من التصريحات والضربات، تتراجع فرص التهدئة تدريجياً، بينما يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تبقى المواجهات ضمن حدود الرسائل العسكرية المتبادلة، أم أن المنطقة تقترب من مواجهة أكبر قد تغير معادلات الصراع بالكامل؟




