يمتلك دونالد ترامب اليوم كامل الأدوات العسكرية التي تتيح له التحرك ضد إيران في أي لحظة. وصول مجموعة حاملات الطائرات الأمريكية، وفي مقدمتها «يو إس إس أبراهام لينكولن»، إلى مقربة من السواحل الإيرانية، يضع خيار الضربة العسكرية في موقع الجدية، لا التلويح السياسي فقط. وفي الخلفية، تنتظر قاذفات «بي-2» الشبحية، المنتشرة بين قواعد داخل الولايات المتحدة وأخرى في المحيط الهندي، الإشارة النهائية للتحرك، في مشهد يعكس أعلى درجات الجاهزية العسكرية الأمريكية.
غير أن امتلاك القوة لا يعني وضوح الهدف. فالمعضلة الأساسية لا تتعلق بإمكانية الضرب، بل بطبيعة الضربة وجدواها السياسية. إسقاط نظام حكم الملالي، أو إجباره على تقديم تنازلات استراتيجية، مسألتان تختلفان جذريًا في الوسائل والنتائج. إيران، الدولة التي يحكمها رجال الدين منذ عام 1979 ويبلغ عدد سكانها أكثر من 90 مليون نسمة، ليست هدفًا يمكن إخضاعه بعملية عسكرية سريعة أو محدودة.
الخيارات المطروحة داخل دوائر القرار الأمريكية تعكس هذا التعقيد. الضربات الجوية الدقيقة، التي أثبتت فعاليتها التقنية في السابق، فشلت في تحقيق نتائج سياسية حاسمة. البرنامج النووي الإيراني لم يتوقف، والنظام لم يُبدِ أي مؤشرات استسلام. إعادة إنتاج هذا السيناريو، مهما بلغت دقته، تبدو أقرب إلى استعراض قوة منه إلى حل نهائي.
استهداف أجهزة القمع الداخلي يشكّل مسارًا أكثر تصعيدًا، لكنه لا يقل خطورة. فالحرس الثوري وميليشيات «الباسيج» لا يعملون ضمن بنية مركزية قابلة للتفكيك بضربة واحدة. تفكيك هذه الشبكة بالقوة الجوية وحدها يفتح الباب أمام فوضى داخلية قد تتحول إلى حرب أهلية، من دون ضمان انهيار النظام. حتى غياب رأس الهرم السياسي لا يعني بالضرورة سقوط البنية التي تحكم البلاد.
الخيار البحري، القائم على خنق صادرات النفط الإيراني، يواجه بدوره معضلة الجغرافيا. إيران ليست دولة معزولة، وحدودها البرية الواسعة تجعل أي حصار بحري جزئي التأثير. التهريب عبر الدول المجاورة يبقى قائمًا، ما يقلل من فعالية هذا الخيار على المدى المتوسط.
في مقابل هذه المسارات التقليدية، تظهر سيناريوهات أكثر حساسية، تعتمد على المزج بين القوة العسكرية والعمل الاستخباراتي. عمليات خاصة تستهدف مراكز القرار داخل الحرس الثوري، بالتوازي مع ضربات جوية شاملة، قد تفتح الباب أمام انقسام داخلي أو انقلاب عسكري يُبقي السيطرة على البلاد بأيدٍ إيرانية، مع تغيير طبيعة النظام. نجاح هذا السيناريو مرهون بعامل واحد: وجود استعداد داخلي للانفصال عن السلطة الحالية.
أما الرهان على انتفاضة شعبية مدعومة خارجيًا، فيحمل مخاطر مضاعفة. تسليح الاحتجاجات وتحويلها إلى ثورة موجَّهة قد يؤدي إلى إسقاط النظام، لكنه يضع البلاد على حافة انهيار طويل الأمد، ويُدخل الولايات المتحدة في مستنقع سياسي وأخلاقي يصعب التحكم في مآلاته.
في المحصلة، تبدو المفارقة واضحة: القوة العسكرية الأمريكية الهائلة المنتشرة في الخليج قد لا تكون العامل الحاسم. العنصر الأكثر تأثيرًا يبقى المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، والضغط النفسي الذي يولده هذا الحشد العسكري على دوائر القرار داخل طهران. الهدف غير المعلن لهذا الاستعراض ليس الضربة بحد ذاتها، بل دفع النظام إلى التصدع من الداخل، قبل أن تتحول كل هذه الجاهزية إلى حرب مفتوحة لا يضمن أحد نتائجها.






