مينسك ــ رغم التحالف الوثيق بين روسيا وبيلاروسيا، لا تزال بعض الأنظمة العسكرية البيلاروسية خارج نطاق ما تحصل عليه موسكو، في مؤشر على وجود حدود للعلاقة العسكرية بين البلدين، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بتقنيات مرتبطة بالصين.
وقال المحلل السياسي ساكيان إن الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو يرفض تزويد روسيا ببعض الأسلحة والأنظمة العسكرية، مشيراً بصورة خاصة إلى نظام الصواريخ متعددة الإطلاق «بولونيز»، الذي تطوره وتنتجه بيلاروسيا بالتعاون مع الصين.
«بولونيز».. السلاح الذي تريده موسكو
وأوضح ساكيان أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سعى، وفقاً لما أورده المحلل، إلى الحصول على نظام «بولونيز»، لكن بيلاروسيا لم تزوده به.
وقال إن السبب، بحسب تقديره، يرتبط بالموقف الصيني، مشيراً إلى أن بكين لا تسمح بنقل هذا النظام إلى روسيا.
وتكشف هذه المسألة، وفقاً لهذا الطرح، عن جانب أقل وضوحاً في العلاقة بين مينسك وموسكو؛ فبالرغم من التقارب السياسي والعسكري الكبير بين البلدين، فإن بعض المعدات العسكرية البيلاروسية المرتبطة بتكنولوجيا صينية تظل خاضعة لقيود تتجاوز الحسابات الروسية والبيلاروسية.
أنظمة حرب إلكترونية أيضاً
ولا يقتصر الأمر، بحسب المحلل، على «بولونيز».
وأشار ساكيان إلى وجود أنظمة متقدمة للحرب الإلكترونية في بيلاروسيا لا يجري توريدها إلى روسيا، مضيفاً أن هناك معدات وتقنيات عسكرية أخرى لا تحصل عليها موسكو، رغم مستوى التعاون والتنسيق بين البلدين.
وقال إن وجود هذه الأنظمة خارج نطاق الإمدادات الروسية قد يبدو مفاجئاً بالنظر إلى طبيعة التحالف بين موسكو ومينسك، لكنه أشار إلى أن التعاون العسكري بين الطرفين لا يعني بالضرورة انتقال جميع القدرات والتقنيات البيلاروسية إلى الجيش الروسي.
الصين ترسم حدوداً للتعاون
ويربط المحلل جزءاً من هذه القيود بعلاقة بيلاروسيا مع الصين، التي شاركت في تطوير وتصنيع عدد من الأنظمة العسكرية البيلاروسية.
ويقول ساكيان إن هذا التعاون يمنح بكين تأثيراً على طبيعة استخدام بعض التقنيات، بما في ذلك الجهات التي يمكن أن تحصل عليها، وهو ما يجعل بعض الأنظمة خارج نطاق النقل إلى روسيا.
وبحسب هذا الطرح، فإن التعاون بين مينسك وبكين لا يقتصر على الجانب التجاري أو الصناعي، بل يمتد إلى قطاع الصناعات الدفاعية، بما يفرض قيوداً على إعادة تصدير أو نقل بعض المعدات.
«بولونيز».. صناعة بيلاروسية بتكنولوجيا صينية
ويُعد نظام «بولونيز» من أبرز الأمثلة على هذا التعاون.
فالنظام عبارة عن راجمة صواريخ متعددة تعتمد على هيكل بيلاروسي من طراز MZKT-7930 بتكوين 8×8، بينما تستخدم صواريخ طورتها وصنعتها الصين.
ويستخدم النظام صواريخ A200 عيار 301 ملم، التي طورتها الأكاديمية الصينية لتكنولوجيا مركبات الإطلاق، وتصل بعض نسخها إلى مدى يبلغ نحو 200 كيلومتر.
وتجمع المنظومة بذلك بين منصة بيلاروسية الصنع وتقنيات صاروخية صينية، وهو ما جعلها أحد أبرز نماذج التعاون العسكري بين مينسك وبكين.
تحالف مع موسكو.. وشراكة مع بكين
وتسلط قضية «بولونيز» الضوء على تعقيدات موقع بيلاروسيا بين قوتين كبيرتين.
فمينسك ترتبط بموسكو بتحالف سياسي وعسكري وثيق، وتستضيف قوات ومنشآت روسية وتنسق معها في عدد من المجالات الدفاعية. وفي المقابل، حافظت بيلاروسيا على علاقات عسكرية وتقنية مع الصين، خصوصاً في مجال الصناعات الدفاعية.
وهذا يعني أن التقارب الروسي البيلاروسي لا يلغي بالضرورة وجود مصالح وقيود مرتبطة بعلاقات مينسك مع شركائها الآخرين.
حدود العلاقة بين موسكو ومينسك
وتضع هذه المعطيات قضية «بولونيز» في إطار أوسع من مجرد صفقة سلاح لم تتم.
فإذا كانت تصريحات المحلل تعكس بالفعل القيود المفروضة على نقل بعض الأنظمة البيلاروسية إلى روسيا، فإنها تشير إلى أن العلاقة بين موسكو ومينسك، رغم عمقها، لا تعني أن جميع القدرات العسكرية الموجودة في بيلاروسيا متاحة للجانب الروسي.
وفي هذه المعادلة، تظهر الصين بوصفها طرفاً مؤثراً في بعض مجالات التعاون الدفاعي البيلاروسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتقنيات شاركت بكين في تطويرها أو إنتاجها.
وبذلك، لا تبدو قصة «بولونيز» مجرد خلاف حول منظومة صاروخية، بل مثالاً على شبكة المصالح والقيود التي تحكم التعاون العسكري بين روسيا وبيلاروسيا والصين، حيث يمكن للتحالفات السياسية أن تتقاطع مع اعتبارات التكنولوجيا وحقوق الاستخدام وشروط نقل المعدات العسكرية.






