في تصريح صادم يوم الجمعة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نيّته فرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 100٪ على واردات من الصين، إلى جانب قيود على صادرات البرمجيات من الولايات المتحدة، ردًّا على خطوات اتخذتها الصين مؤخرًا للحدّ من تصدير المعادن النادرة.
هذا التصعيد السياسي والاقتصادي أثار ردود فعل قوية في الأسواق المالية، لكن الأهم من ذلك، أنه أطلق نقاشًا حول مدى قدرة الولايات المتحدة على احتواء التنين الصيني.
انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة نحو 2.7٪ في تعاملات اليوم التالي، مسجّلًا أكبر موجة مبيع منذ الرابع من أبريل.
في المقابل، تراجع مؤشر الدولار الأمريكي حوالي 0.7٪، بينما ارتفعت أسعار الذهب بـ أكثر من 1.5٪ كرد فعل على تزايد الضغوط العالمية. (ملاحظة: هذه الأرقام وردت في تقارير غرف الأخبار وتحليلات فورية لردود فعل الأسواق).
يعتقد بعض المحللين أن هذه اللحظات تكشف ضعف الولايات المتحدة في المواجهة مع الصين، وليس العكس.
أمريكا ليست في مواجهة خصم سهل
تبدو محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لكسر الصين اقتصاديًا أشبه بمحاولة صدّ موجة مدّ لا تتوقف. فالقوة التي بنتها بكين خلال العقود الثلاثة الماضية لم تعد قائمة على تفوق تجاري مؤقت أو أسعار منخفضة فحسب، بل على منظومة اقتصادية متكاملة تمتد من عمق الصناعة إلى شبكات التمويل وسلاسل التوريد العالمية. ورغم الرسوم الجمركية التي يلوّح بها ترامب، فإن قدرة الصين على امتصاص الصدمات والتكيف مع القيود تجعل من المستحيل تقريبًا إبطاء زحفها نحو الصدارة.
تمتلك الصين اليوم سيطرة شبه مطلقة على المواد الخام الحيوية التي تُعتبر العمود الفقري للتكنولوجيا الحديثة، وعلى رأسها المعادن النادرة. فهي تُنتج أكثر من 90% من المعادن المعالجة والمغناطيسات المستخدمة في الصناعات الإلكترونية والسيارات الكهربائية والطاقة المتجددة. وهذا يعني أن أي محاولة أمريكية لفرض قيود تجارية ستصطدم بالواقع القاسي لافتقار واشنطن إلى بدائل فورية. يمكن للولايات المتحدة أن تبحث عن مصادر أخرى في إفريقيا أو أمريكا اللاتينية، لكنها ستواجه تكاليف أعلى، وفترات تطوير أطول، وانعدام الكفاءة اللوجستية التي تتمتع بها الصين. والأسوأ من ذلك أن تعطّل سلاسل الإمداد هذه سينعكس على الشركات الأمريكية نفسها، التي تعتمد على المكونات الصينية في إنتاجها، بدءًا من “تسلا” ووصولًا إلى “آبل” و”جنرال إلكتريك”.
ما يميز الصين عن خصومها هو عقلها الاستراتيجي البارد. فبكين لا تتحرك كرد فعل لحظي، بل ضمن رؤية طويلة الأمد تمتد لعقود، تدير عبرها أزماتها وتحوّلها إلى فرص. في كل مرة حاولت واشنطن الضغط عليها، كانت الصين ترد بخطوات مدروسة: تحفيز داخلي للصناعة، خفض الضرائب على الشركات المحلية، وتوسيع أسواق التصدير في إفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا الوسطى. لقد تعلّمت بكين من تجاربها السابقة ألا تنخرط في دوامة التصعيد غير المحسوب، بل أن تمتص الضربة وتعيد توجيه الاقتصاد نحو هدف أكبر.
الرسوم الجمركية التي يرفعها ترامب على أنها سلاح وطني لحماية الاقتصاد الأمريكي سرعان ما تتحول إلى عبء على الأمريكيين أنفسهم. فارتفاع أسعار الواردات يعني ببساطة زيادة تكلفة المعيشة على المستهلك، وتراجع القدرة التنافسية للصناعة المحلية أمام السلع الآتية من الخارج. ووفقًا لتقرير Tax Foundation، فإن التعريفات المفروضة منذ 2018 أثّرت على مئات المليارات من الدولارات من الواردات، فيما أكّد مجلس العلاقات الخارجية (CFR) أن هذه الرسوم لم توقف تدفق البضائع الصينية إلى الأسواق الأمريكية بقدر ما غيّرت طريقها، إذ باتت تمر عبر دول وسيطة مثل فيتنام وماليزيا لتعود إلى السوق الأمريكية في ثوب جديد. النتيجة أن المنتج الصيني لم يختفِ، بل أعاد التموضع بذكاء، في حين ظل المستهلك الأمريكي يدفع الثمن.
التأثير الحقيقي للرسوم لا يظهر فورًا، إذ يحتاج الاقتصاد وقتًا ليتكيّف مع التغيّرات في سلاسل الإمداد وأنماط التجارة. الشركات غالبًا ما تتحمل جزءًا من التكاليف للحفاظ على حصصها السوقية، أو تراهن على أن السياسة ستتغير قبل أن تنهار قدرتها التنافسية. وهكذا، يصبح السلاح الذي أراده ترامب رادعًا مؤقتًا أشبه بطلقة مرتدة تصيب الداخل الأمريكي أكثر مما تصيب خصمه الآسيوي.
في المقابل، لم تعد الصين تعتمد على التصدير كمحرك وحيد لنموها. فهي اليوم تعمل على بناء اقتصاد مزدوج يعتمد على الطلب الداخلي المتنامي إلى جانب الانفتاح الخارجي. خلال السنوات الأخيرة، استثمرت بكين بكثافة في الاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة، وصناعة الرقائق الإلكترونية، وتطوير ما يُعرف بـ“الاقتصاد الفضي” الموجّه إلى كبار السن، في محاولة لخلق دورة اقتصادية متكاملة لا تتأثر كثيرًا بتقلبات السوق العالمية. هذه الاستراتيجية تجعلها أقل هشاشة أمام الضغوط الأمريكية، وتمنحها القدرة على توجيه الفائض الإنتاجي نحو الداخل كلما أُغلقت أمامها الأسواق الخارجية.
والأهم من ذلك أن الصين لا تتحرك في الظلام، بل وفق خطة واضحة المعالم تمتد حتى عام 2035، تُعرف باسم “الرؤية الصينية للتجديد الوطني”. هذه الرؤية لا تقتصر على تعزيز التصدير أو الإنتاج، بل تهدف إلى تحويل الصين إلى قوة مبتكرة تقود العالم في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الصناعي والطاقة الخضراء. وتندرج مبادرة “صُنع في الصين 2025” ضمن هذا الإطار كأحد أعمدة التحول الصناعي الذي يسعى إلى تقليل الاعتماد على الخارج ورفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية.
تُظهر الدراسات أن الصين، إذا حافظت على معدل نمو سنوي يقارب 5%، يمكنها أن تتجاوز الولايات المتحدة بحلول عام 2035 من حيث حجم الاقتصاد الحقيقي. وحتى في حال تراجع النمو إلى 3% أو أقل، فإن التحولات البنيوية والتكنولوجية التي تقودها ستجعلها منافسًا لا يُزاح في معظم القطاعات الاستراتيجية. فالتحدي الصيني لم يعد مجرد مسألة صادرات، بل تحول إلى مشروع حضاري متكامل، يعيد تعريف مفهوم “القوة الاقتصادية” في القرن الحادي والعشرين.
لذلك، فإن حرب ترامب التجارية قد تُكسبه بعض الأصوات الانتخابية داخليًا، لكنها لن تغيّر اتجاه التاريخ. فالصين التي دخلت عصر الذكاء الصناعي والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي ليست تلك التي واجهها العالم في التسعينيات. إنها الآن أكثر صلابة، أكثر تنوعًا، وأكثر استعدادًا للقيادة. ومهما بلغت الرسوم أو القيود، فلن يستطيع ترامب — ولا أي رئيس بعده — أن يوقف عجلة اقتصاد يتحرك وفق منطق القرن، لا منطق الشعارات.
توقعات لعام 2035 — من الأفضل إلى المرجح إلى المتحفظ
تُجمع أغلب الدراسات الاستشرافية على أن عام 2035 سيكون مفصلًا حاسمًا في موازين القوة الاقتصادية العالمية، إذ تشير تقديرات Lowy Institute Asia Power Index إلى أن الصين تسير بخطى واثقة نحو الصدارة. فبحسب المعهد، يُتوقع أن يبلغ حجم اقتصادها في ذلك العام نحو 51.5 تريليون دولار (بحسب معيار القوة الشرائية أو المقاييس المستخدمة في الدراسة)، مقابل 33.8 تريليون دولار للولايات المتحدة، ما يعكس تحوّلًا جذريًا في البنية الاقتصادية الدولية التي ظلت لعقود تميل لصالح واشنطن.
لكن هذا التفوق المحتمل ليس سيناريو واحدًا جامدًا، بل مجموعة احتمالات تتباين بين الطموح الواقعي والمخاوف الموضوعية. في المسار الأكثر تفاؤلًا، تبدو الصين قادرة على تجاوز الاقتصاد الأمريكي بوضوح إذا واصلت نموها عند معدلات تقارب 5% سنويًا، مع الحفاظ على دينامية الابتكار والإنتاجية، ومعالجة تحديات الشيخوخة وتراجع اليد العاملة بآليات ذكية كالأتمتة والذكاء الاصطناعي وتوسيع مشاركة النساء في سوق العمل. عندها لن يكون التفوق مسألة رقمية فحسب، بل تحولًا نوعيًا يجعل من الصين مركز الثقل الجديد في الاقتصاد العالمي.
أما في السيناريو المرجّح — أو ما يمكن وصفه بالواقعي — فإن استمرار النمو بمعدل 3% إلى 3.5% سنويًا قد لا يسمح بتجاوز الولايات المتحدة من حيث القيمة الاسمية للناتج المحلي، لكنه كفيل بجعل الصين الندّ الأبرز في معظم القطاعات الاستراتيجية. فبنيتها التحتية الرقمية، وتحولها نحو التصنيع عالي التقنية، واستثماراتها في الطاقة المتجددة، تمنحها تفوقًا نوعيًا يعوّض أي فجوة كمية في الناتج المحلي. في هذا المسار، قد لا تكون الصين الأولى في الأرقام المجردة، لكنها ستكون المحرك الأساسي للاقتصاد العالمي.
أما السيناريو المتحفظ فيأخذ بعين الاعتبار عوامل داخلية قد تُبطئ المسار، مثل تراكم الديون العامة، والتحديات العقارية، والضغوط الديموغرافية الناتجة عن انخفاض المواليد. فإذا فشلت بكين في إدارة هذه الملفات، أو إذا استمرت المواجهة التجارية والتكنولوجية مع الغرب على نحو خانق، فقد لا تحقق التفوق الكمي الكامل. ومع ذلك، فإن الصين ستظل — حتى في هذا السيناريو الحذر — على مقربة من الولايات المتحدة في قطاعات محورية مثل التكنولوجيا، والطاقة النظيفة، والاتصالات، والذكاء الصناعي، وهي مجالات ستحدد ملامح الاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.
وهكذا، فإن مستقبل الاقتصاد العالمي لا يبدو محصورًا في سؤال من “يتفوّق على من”، بل في كيفية إدارة القوتين العظميين لتفاعلهما المعقد بين المنافسة والتشابك. فالصين، حتى في أضعف السيناريوهات، لن تعود إلى موقع التابع، بل إلى موقع الشريك المكافئ في صياغة النظام الاقتصادي الجديد — نظامٍ يتجه، على ما يبدو، نحو شرقٍ أكثر تأثيرًا وغربٍ أكثر حذرًا.
لماذا لن ينجح ترامب في كسر الصين اقتصادياً؟
يأتي التصعيد الأخير الذي أعلنه دونالد ترامب، والمتعلق بفرض رسوم جمركية بنسبة 100٪ على السلع الصينية إلى جانب تقييد صادرات البرمجيات، كحلقة جديدة في سباق النفوذ بين القوتين الأعظم اقتصادياً في العالم. فالصراع لم يعد مجرد منافسة تجارية حول فائض الميزان التجاري أو نسبة العجز، بل تحوّل إلى مواجهة شاملة على القيادة التكنولوجية والاقتصادية للعصر المقبل. في هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة إلى الحد من تمدد الصين في مجالات الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والطاقة الخضراء، وهي القطاعات التي ستحدد معايير القوة في القرن الحادي والعشرين.
ردود فعل الأسواق كانت سريعة كعادتها، إذ تُترجم أي إشارة من واشنطن أو بكين إلى حركة فورية في المؤشرات العالمية. تراجع ستاندرد آند بورز 500 وانخفض الدولار أمام الذهب، في مشهد يعكس قلق المستثمرين من تصعيد قد يتطور إلى حرب تجارية جديدة أكثر عنفًا من تلك التي شهدها العالم في 2018. ومع ذلك، فإن الأثر الحقيقي لمثل هذه القرارات لا يُقاس خلال أيام أو أسابيع، بل يُختبر على مدى سنوات، عندما تبدأ الرسوم في إعادة تشكيل سلاسل التوريد، وتتحرك الشركات متعددة الجنسيات لإعادة تموضعها ضمن نظام تجاري أكثر تعقيدًا.
ورغم الضجيج السياسي والاضطراب اللحظي في الأسواق، فإن أسس الاقتصاد الصيني تبدو أكثر تماسكًا مما قد توحي به الأرقام اللحظية. فبكين تمتلك سياسة صناعية مركزية متماسكة، وقدرات إنتاجية ضخمة، وشبكة تصدير تمتد عبر القارات، إلى جانب منظومة تمويل داخلية قوية تُمكّنها من امتصاص الصدمات. هذا المزيج بين المرونة الاقتصادية والتخطيط المركزي يجعل الصين أكثر قدرة على تحمّل الإجراءات العقابية، في حين تبقى الشركات الأمريكية والأوروبية أكثر عرضة للتقلبات قصيرة المدى.
في الجوهر، ما يحدث اليوم ليس مجرد مواجهة بين رئيس أمريكي ونظام اقتصادي منافس، بل تعبير عن تحوّل تاريخي في ميزان القوة الاقتصادية العالمي. الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على تفوقها عبر أدوات الحمائية والقيود التقنية، بينما تراهن الصين على صبرها الطويل واستراتيجيتها المتدرجة في اختراق الأسواق والتكنولوجيا. وفي الوقت الذي تتعامل فيه الأسواق مع كل تصريح باعتباره أزمة، تتحرك بكين ببطء وهدوء نحو ما تعتبره هدفًا تاريخيًا: قيادة الاقتصاد العالمي من موقع المبادرة لا الدفاع.






