تعكس التحولات العميقة التي شهدتها مدينة مأرب اليمنية على مدى عقد من الزمن مفارقة جيوسياسية لافتة؛ إذ لم تكن الحرب مجرد فصل من فصول الدمار، بل أضحت محركاً لإعادة صياغة الخريطة السكانية ومراكز القوة في البلاد. فمن مجرد بلدة صحراوية ذات ثقل محلي محدود وهامشي في أدبيات النظام السياسي السابق، تحولت مأرب إلى الشريان النابض للشرعية اليمنية، ونقطة الارتكاز الاستراتيجية التي احتضنت مؤسسات الدولة وثقلها الديمغرافي والعسكري عقب سقوط صنعاء عام 2014.
ولا يقتصر هذا التحول على البعد العسكري والأمني الذي فرضته المواجهة مع جماعة الحوثي، بل يمتد ليشمل إعادة تشكيل الهوية المجتمعية والديمغرافية للمدينة. فتدفق أكثر من مليونين و200 ألف نازح من مختلف المحافظات أذاب التجانس القبلي التقليدي لمأرب، صاهراً إياه في بيئة حضرية جديدة تجمع بين الأصالة والحيوية الوطنية. وقد تُرجم هذا الانصهار في استقطاب رؤوس الأموال وتحول المدينة إلى مركز تعليمي وأكاديمي يضم آلاف الطلاب من كافة أنحاء اليمن، مما منحها وظيفة إدارية واقتصادية كانت محتكرة تاريخياً لصنعاء، وجعلها حاضنة لهوية مدنية تجاوزت إطار النزوح المؤقت.

غير أن هذا الصعود السريع لم يخلُ من تحديات هيكلية؛ إذ أحدث التوسع السكاني الهائل ضغطاً فائقاً على البنية التحتية والمرافق الخدمية التي لم تكن مهيأة لاستيعاب هذا النمو العاصف. ويتضح ذلك في الضغط المفرط على شبكات الكهرباء والمياه، وغياب مشاريع الصرف الصحي المتكاملة، فضلاً عن اتساع المخيمات والعشوائيات. وتطرح هذه الاختلالات تساؤلات ملحة حول مدى استدامة هذا النمو؛ إذ تشير القراءات التحليلية إلى أن جزءاً كبيراً من النشاط الاقتصادي المكتسب نشأ تحت وطأة الظروف الاستثنائية للنزوح دون استناد كامل إلى رؤية تنموية طويلة الأمد.
ورغم هذه التحديات التنظيمية، تؤكد المعطيات الميدانية أن مأرب تجاوزت دور الملاذ المؤقت لتستقر كواقع مؤسسي وهيكلي يصعب التراجع عنه في أي تسوية قادمة. إن تجسير الفجوة بين الطابع القبلي والتحضر السريع، إلى جانب ترسخ المؤسسات التعليمية والتجارية، منح المحافظة وزناً سياسياً واستراتيجياً ثابتاً. وبذلك، أعدات مأرب رسم موقعها في الخريطة اليمنية، ليس فقط كحصن صامد في وجه الحرب، بل كمركز ثقل وطني جديد سيبقى حاضراً بقوة في صياغة مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي.






