أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن اتفاقية الضمانات الأمنية التي تقدمها الولايات المتحدة لبلاده أصبحت جاهزة بالكامل للتوقيع، ولم يتبقّ سوى تحديد الزمان والمكان قبل إحالتها إلى الكونغرس الأمريكي والبرلمان الأوكراني للمصادقة.
إعلانٌ يعكس، وفق مراقبين، محاولة أوكرانية لإعادة تثبيت الدعم الغربي في مرحلة دقيقة من الحرب، مع دخولها عامها الرابع دون أفق حاسم حتى الآن.
زيلينسكي شدد على أن هذه الضمانات، إلى جانب دعم أوروبي فعّال، تشكل حجر الأساس لأي تسوية مستقبلية، مؤكدًا في الوقت ذاته أن كييف لن تقبل بأي حلّ يقوم على التنازل عن أراضيها، خصوصًا في شرق البلاد، وأن خيار الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2027 لا يزال هدفًا استراتيجيًا غير قابل للتراجع.
مفاوضات أبوظبي… أول طاولة ثلاثية بلا اختراق
جاء الإعلان الأوكراني عقب محادثات ثلاثية عُقدت في أبوظبي، وضمّت ممثلين عن الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، في سابقة هي الأولى منذ اندلاع الحرب. ورغم التوقعات المرتفعة، لم تُفضِ الاجتماعات إلى اختراق جوهري، لكنها فتحت نافذة سياسية ضيقة لمحاولة تضييق هوة الخلاف.
وتُظهر هذه الصيغة التفاوضية إدراكًا أمريكيًا بأن أي تقدم حقيقي يتطلب جمع الخصمين المباشرين على طاولة واحدة، حتى وإن بقيت الخلافات الجوهرية قائمة، وعلى رأسها الملف الإقليمي.
الميدان يسبق الدبلوماسية
على الأرض، لا يزال المشهد قاتمًا. فالهجمات الروسية المتواصلة تُخلّف قتلى وجرحى، وتلحق أضرارًا واسعة بالبنية التحتية المدنية، في وقت تواجه فيه أوكرانيا ضغوطًا عسكرية متزايدة، لا سيما في الشرق.
زيلينسكي، الذي يربط أي سلام دائم بتقدم ملموس في المسارين الأمني والدبلوماسي، يؤكد أن الشعب الأوكراني لم يعد يحتمل حلولًا مؤقتة أو وعودًا غير مدعومة بإجراءات عملية، في ظل حرب استنزاف طويلة أنهكت الاقتصاد والمجتمع معًا.
انتقادات علنية للحلفاء… ودعوة لضغط أقسى على موسكو
في المحافل الدولية، لم يُخفِ زيلينسكي امتعاضه من بعض الحلفاء الغربيين، متهمًا إياهم بالتردد والتقاعس عن اتخاذ خطوات حاسمة ضد موسكو. ولفت إلى التباين الواضح في ردود الفعل الغربية تجاه قادة دول أخرى، مقابل غياب إجراءات فعّالة بحق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وتأتي هذه الانتقادات في وقت يسعى فيه المجتمع الدولي لإعادة تقييم أدواته في دعم أوكرانيا، بعد أن أثبتت السنوات الماضية أن العقوبات وحدها لم تكن كافية لوقف آلة الحرب الروسية.
دافوس… خطاب حاد ونبرة غير مسبوقة
بلغت لهجة زيلينسكي ذروتها خلال مشاركته في منتدى دافوس، حيث وجّه انتقادات مباشرة لأوروبا، رغم شكره لها على الدعم المقدم. واعتبر أن القارة “تجيد الحديث عن المستقبل”، لكنها لا تتحرك بالقدر الكافي لوقف بوتين.
أحد أبرز مصادر غضب الرئيس الأوكراني كان رفض استخدام الأصول الروسية المجمّدة في أوروبا، لا سيما خلال مفاوضات قرض بقيمة 90 مليار يورو يعتزم الاتحاد الأوروبي تقديمه لكييف. وبرأي زيلينسكي، فإن هذه الأموال المجمدة ستُستخدم عاجلًا أم آجلًا في تمويل الحرب الروسية إذا لم يتم تسخيرها لدعم أوكرانيا.
الأصول الروسية… ورقة ضائعة؟
يرى زيلينسكي أن إبقاء الأصول الروسية مجمّدة دون استثمارها في دعم الدفاع الأوكراني يمثل خطأً استراتيجيًا، خصوصًا مع اقتراب الغزو واسع النطاق من دخول عامه الرابع. وقد استغل منصة دافوس للإعلان عن انطلاق أولى جلسات التفاوض الثلاثية، معربًا عن أمل حذر في تحقيق تقدم ملموس خلال عام 2025.
غير أن هذا الأمل يصطدم بواقع ميداني وسياسي معقّد، تتداخل فيه الحسابات الأمريكية والأوروبية مع إصرار روسي على فرض شروطه.
ترامب والمفاوضات… تسارع بلا نتائج
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تسارعت وتيرة الاتصالات الدبلوماسية، أو على الأقل بدا أنها تسعى للتسارع. إلا أن الوقائع تشير إلى أن أي تقدم جوهري لم يتحقق بعد، وسط ترقب لاجتماعات قادمة قد تشكّل اختبارًا حقيقيًا لجدية الأطراف الثلاثة.
بالنسبة لروسيا، يظل الحل مرتبطًا بتنازلات إقليمية من جانب أوكرانيا، وهو ما ترفضه كييف بشكل قاطع.
دونباس… العقدة الكبرى
تتمثل المعضلة الأساسية في طموح موسكو للاحتفاظ بكامل إقليم دونباس، بما في ذلك مناطق لم تتمكن من السيطرة عليها عسكريًا، مثل شمال دونيتسك. ورغم أن القوات الروسية حققت خلال عام 2025 تقدمًا أكبر مقارنة بالعامين السابقين، وسيطرت على أكثر من 4000 كيلومتر مربع، فإن هدفها الاستراتيجي لم يتحقق بعد.
مدن مثل كراماتورسك وسلوفيانسك ودوبروبيلليا لا تزال تقاوم، رغم القصف اليومي، وترفض أي سيناريو يقوم على التنازل السياسي عن أراضٍ لم تسقط بالقوة.
مقترحات أمريكية… ومنطقة رمادية
طرحت الولايات المتحدة فكرة إنشاء منطقة تجارة حرة لا تخضع فعليًا لسيطرة أي من الحكومتين، كحل وسط لتجاوز الخلاف الإقليمي. إلا أن هذا المقترح، وفق تقديرات ميدانية، لا يحظى بقبول شعبي داخل أوكرانيا.
فالمزاج العام، كما يُلاحظ في الداخل الأوكراني، يميل بوضوح إلى رفض أي تنازل، ويُجمع المواطنون على أن ما لم تستولِ عليه روسيا بالقوة لا يمكن أن يُمنح لها عبر التفاوض.
بين السياسة والواقع الإنساني
لا تقتصر الصورة على غرف التفاوض. فكما تنقل المراسلة ماريا سينوفيلا من كييف، ينعكس الصراع يوميًا على حياة المدنيين، من تبعات القصف، إلى قسوة الشتاء، ونقص الخدمات، ومقاومة السكان لفكرة التخلي عن أراضيهم مهما بلغت التكاليف.
مشهد مفتوح بلا حسم
بين ضمانات أمريكية قيد التوقيع، ومفاوضات ثلاثية متعثرة، وضغط ميداني متصاعد، تبدو الحرب الأوكرانية عالقة في منطقة رمادية. فالدبلوماسية لم تنجح بعد في كبح السلاح، والسلاح لم يفرض تسوية نهائية.
وفي ظل هذا التوازن الهش، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يحمل عام 2025 اختراقًا حقيقيًا، أم أنه سيكون مجرد فصل جديد في حرب طويلة تبحث عن نهاية؟






