بعد سنوات من الجمود والانقسامات السياسية، تعود مجموعة فيسيغراد إلى واجهة النقاش الأوروبي مع اقتراب تولي سلوفاكيا رئاستها الدورية مطلع يوليو المقبل. وبينما يتحدث بعض المراقبين عن فرصة لإحياء أحد أهم التحالفات الإقليمية داخل الاتحاد الأوروبي، يظل السؤال مطروحاً حول ما إذا كانت دول أوروبا الوسطى قادرة فعلاً على استعادة النفوذ الذي تمتعت به في مراحل سابقة أم أن التحولات الجيوسياسية الأخيرة غيرت قواعد اللعبة بصورة يصعب معها العودة إلى الماضي.
من الانسجام إلى الانقسام
شهدت مجموعة فيسيغراد، التي تضم بولندا والمجر وسلوفاكيا وجمهورية التشيك، واحدة من أصعب مراحلها خلال السنوات الأخيرة، بعدما أدى الخلاف حول الحرب في أوكرانيا والعلاقة مع روسيا إلى تصدع غير مسبوق داخل التحالف.
ففي الوقت الذي تبنت فيه بولندا والتشيك مواقف داعمة بقوة لكييف، اختارت حكومة رئيس الوزراء المجري السابق فيكتور أوربان الحفاظ على علاقات وثيقة مع موسكو، الأمر الذي أدى إلى تراجع فعالية المجموعة وفقدانها جزءاً كبيراً من قدرتها على التأثير داخل المؤسسات الأوروبية.
لكن وصول بيتر ماجيار إلى السلطة في المجر فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التقارب مع وارسو، وهو ما انعكس سريعاً في لغة الخطاب السياسي بين العاصمتين وفي الحديث المتزايد عن ضرورة إعادة تنشيط التعاون الإقليمي.
لماذا كانت بولندا والمجر مفتاح قوة التحالف؟
منذ تأسيس المجموعة عام 1991، ارتبط نجاحها بدرجة كبيرة بمدى التقارب بين بولندا والمجر، باعتبارهما أكبر قوتين سياسيتين وديموغرافيتين داخل التكتل.
وعندما كانت العاصمتان تتحدثان بصوت واحد، تمكنت المجموعة من فرض نفسها لاعباً مؤثراً داخل الاتحاد الأوروبي، سواء في ملفات الهجرة أو السياسة الاقتصادية أو قضايا السيادة الوطنية.
أما حين تباعدت مواقفهما، كما حدث بعد الحرب الأوكرانية، فقدت المجموعة تدريجياً قدرتها على العمل ككتلة موحدة، وتحولت إلى إطار رمزي أكثر منه تحالفاً سياسياً فاعلاً.
من منصة للاندماج الأوروبي إلى أداة للضغط داخل بروكسل
ولدت مجموعة فيسيغراد في أعقاب انهيار المعسكر الشرقي، وكان هدفها الأساسي تسريع اندماج دول أوروبا الوسطى في المؤسسات الغربية، وعلى رأسها حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
لكن بعد تحقيق هذا الهدف مطلع الألفية الجديدة، تغيرت طبيعة دورها تدريجياً، لتصبح منصة تنسيق إقليمي تسعى من خلالها الدول الأعضاء إلى توحيد مواقفها داخل الاتحاد الأوروبي وتعزيز قدرتها التفاوضية في مواجهة القوى الكبرى داخل القارة.
وقد بلغت هذه الاستراتيجية ذروتها خلال أزمة الهجرة عام 2015، عندما نجحت الدول الأربع في تشكيل جبهة موحدة رفضت سياسات توزيع المهاجرين التي اقترحتها بروكسل، ما منح المجموعة حضوراً سياسياً غير مسبوق داخل النقاش الأوروبي.
هل ما تزال بولندا بحاجة إلى فيسيغراد؟
أحد أبرز التحديات التي تواجه مستقبل المجموعة يتمثل في تغير مكانة بولندا نفسها.
فخلال العقدين الماضيين تحولت وارسو إلى قوة إقليمية كبرى، وأصبحت لاعباً رئيسياً في ملفات الأمن الأوروبي والدفاع والطاقة، كما انخرطت في تحالفات أوسع وأكثر تأثيراً مثل مثلث فايمار ومبادرة البحار الثلاثة ومبادرة بوخارست الأمنية.
هذا الواقع دفع بعض المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت بولندا ما تزال ترى في مجموعة فيسيغراد أداة استراتيجية ضرورية، أم أنها باتت تفضل العمل ضمن أطر أوسع تمنحها نفوذاً أكبر على المستوى الأوروبي.
الاقتصاد والطاقة.. أرضية مشتركة جديدة
ورغم التباينات السياسية، لا تزال هناك ملفات قادرة على جمع الدول الأربع حول مصالح مشتركة واضحة.
في مقدمة هذه الملفات تأتي مفاوضات الميزانية الأوروبية المقبلة، حيث تتقاطع مصالح دول أوروبا الوسطى في الدفاع عن مخصصات التنمية الإقليمية وصناديق التماسك الأوروبية التي استفادت منها لعقود.
كما يبرز ملف الطاقة النووية والربط الكهربائي والغازي كأحد المجالات المرشحة لتعاون أوسع، خصوصاً في ظل سعي بولندا إلى تقليل اعتماد المنطقة على مصادر الطاقة الروسية وتطوير شبكات إمداد أكثر تكاملاً.
التاريخ.. العقبة التي لا تختفي
لكن إعادة إحياء التحالف لا تتوقف على المصالح الاقتصادية وحدها، إذ ما تزال الذاكرة التاريخية تلقي بظلالها على العلاقات بين دول المنطقة.
ففي المجر، لا تزال معاهدة تريانون التي أعادت رسم حدود البلاد بعد الحرب العالمية الأولى تمثل جرحاً تاريخياً حاضراً في الخطاب السياسي، بينما تنظر سلوفاكيا ورومانيا إلى تلك التسوية باعتبارها جزءاً من النظام الأوروبي الذي تشكل بعد الحرب.
وقد أعادت التصريحات الأخيرة لرئيس الوزراء المجري بيتر ماجيار حول أوضاع الأقليات المجرية في الدول المجاورة إحياء توترات قديمة مع براتيسلافا، ما يؤكد أن ملفات التاريخ والهوية لم تغادر المشهد السياسي بالكامل.
بين التفاؤل والحذر
مع اقتراب الرئاسة السلوفاكية الجديدة للمجموعة، تبدو أجواء التفاؤل أكبر مما كانت عليه خلال السنوات الماضية، لكن معظم الخبراء يتجنبون الحديث عن عودة كاملة إلى العصر الذهبي للتحالف.
فالتوازنات الأوروبية تغيرت، وبولندا لم تعد الدولة نفسها التي كانت قبل عقدين، كما أن التحديات الأمنية والاقتصادية الراهنة تختلف جذرياً عن الظروف التي سمحت بصعود المجموعة في السابق.
لذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت مجموعة فيسيغراد ستعود كما كانت، بل ما إذا كانت قادرة على إعادة تعريف دورها بما يتناسب مع أوروبا الجديدة، وتحويل المصالح المشتركة إلى نفوذ سياسي فعلي داخل الاتحاد الأوروبي. ففي ذلك وحده يكمن مستقبل التحالف ومكانته في السنوات المقبلة.




