في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية واتساع دوائر النزاعات الإقليمية والدولية، أعادت مصر التأكيد على أحد أبرز ثوابتها الاستراتيجية المرتبطة بأمن المنطقة، عبر تمسكها بضرورة جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، مجددة موقفها الداعي إلى نزع السلاح النووي وتعزيز آليات الأمن الجماعي.
وجاء الموقف المصري بالتزامن مع اختتام أعمال الدورة الحادية عشرة لمؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي في نيويورك، والذي انتهى دون التوصل إلى توافق بشأن وثيقة ختامية، وهو ما اعتبرته القاهرة فرصة ضائعة للمجتمع الدولي لإعادة تأكيد التزامه بأهداف المعاهدة ومسارات تنفيذها.
خيبة أمل بعد تعثر مؤتمر نيويورك
وأعربت القاهرة عن أسفها لعدم نجاح المؤتمر في الوصول إلى صيغة توافقية، رغم الجهود التي بذلتها الدول المشاركة، إضافة إلى المساعي التي قادها رئيس المؤتمر لمحاولة تقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة.
ويعكس الإخفاق في التوصل إلى وثيقة ختامية حجم التعقيدات والانقسامات التي لا تزال تحيط بملف نزع السلاح النووي، خاصة في ظل تباين المواقف الدولية بشأن الأولويات المتعلقة بالأمن الإقليمي والالتزامات النووية.
وترى مصر أن هذا التعثر لا يعني سقوط الالتزامات السابقة أو انتهاء صلاحية المخرجات المتفق عليها في المؤتمرات السابقة، بل تؤكد استمرار سريانها باعتبارها جزءاً من الإطار القانوني والسياسي الناظم لمعاهدة عدم الانتشار.
قرار 1995 يعود إلى الواجهة
وأعادت مصر التذكير بأهمية القرار الخاص بإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط، والذي تم إقراره خلال مؤتمر تمديد ومراجعة المعاهدة عام 1995.
ويمثل هذا القرار، وفق الرؤية المصرية، أحد الأعمدة الرئيسية التي قامت عليها عملية تمديد المعاهدة، إذ كان جزءاً من تفاهمات سياسية اعتُبرت أساساً للقبول بتمديدها.
وتشدد مصر على أن تنفيذ هذا القرار لا يزال التزاماً قائماً ينبغي عدم تجاهله أو تجاوزه، خصوصاً في ظل التحولات الأمنية المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وأكدت القاهرة كذلك على الأهمية المحورية لمعاهدة عدم الانتشار النووي باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لحفظ وتعزيز الأمن والسلم الدوليين منذ اعتمادها عام 1968.
وترى مصر أن المعاهدة لعبت دوراً محورياً في الحد من انتشار الأسلحة النووية، لكنها في الوقت ذاته لا تزال تواجه تحديات تتعلق بآليات التنفيذ وتحقيق العدالة في تطبيق الالتزامات بين مختلف الأطراف.
كما شددت على ضرورة تحقيق عالمية المعاهدة من خلال انضمام الدول غير الأطراف إليها، لا سيما في منطقة الشرق الأوسط، باعتبارها دولاً غير نووية، وهي نقطة حظيت بدعم واسع خلال مؤتمر المراجعة الأخير.
القاهرة تطالب بخطوات لنزع السلاح النووي
وفي رسائل حملت نبرة واضحة تجاه القوى النووية الكبرى، أكدت مصر ضرورة اتخاذ خطوات عملية وجادة نحو تنفيذ الالتزامات الخاصة بنزع الأسلحة النووية.
وترى القاهرة أن تنفيذ معاهدة عدم الانتشار سيظل منقوصاً طالما لم يتحقق هدف التخلص من الترسانات النووية بصورة فعلية، مشيرة إلى أن المخاطر الإنسانية والبيئية المترتبة على استخدام هذه الأسلحة تمثل تهديداً مباشراً للبشرية.
وتربط مصر بين نزع السلاح وتحقيق الأمن الجماعي، معتبرة أن استمرار امتلاك بعض الدول لترسانات نووية ضخمة يكرس حالة من عدم التوازن ويغذي سباقات التسلح.
وفي موازاة الحديث عن نزع السلاح، شددت القاهرة على أهمية احترام الحقوق المشروعة للدول الأطراف في المعاهدة فيما يتعلق بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وأكدت أن هذه الحقوق غير قابلة للتصرف، خاصة في المجالات التنموية المرتبطة بالطاقة والصحة والزراعة والصناعة، مع أهمية استمرار التعاون مع الجهات الدولية المختصة وعلى رأسها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتؤكد مصر أن الاستخدام السلمي للطاقة النووية يجب ألا يتحول إلى أداة للتمييز أو فرض قيود سياسية على الدول النامية.
مصر في مقدمة المطالبين بإخلاء المنطقة من السلاح النووي
ولم يكن الموقف المصري جديداً أو مرتبطاً بظرف سياسي آني، إذ تؤكد القاهرة أنها كانت من أوائل الدول التي تبنت الدعوة لإنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، فمنذ طرح المبادرة داخل الأمم المتحدة عام 1974، واصلت مصر تحركاتها الدبلوماسية والسياسية لدفع هذا الملف إلى صدارة الأجندة الدولية.
كما شددت خلال السنوات الماضية على أن تحقيق هذا الهدف لا يمثل فقط مسألة أمنية إقليمية، بل خطوة استراتيجية لمنع سباقات تسلح قد تهدد الاستقرار الدولي بأكمله.
هل ينجح العالم في تجاوز الانقسام النووي؟
ومع تعثر مؤتمر مراجعة معاهدة عدم الانتشار النووي، تتجدد التساؤلات بشأن مستقبل النظام الدولي الخاص بمنع انتشار الأسلحة النووية، وقدرة القوى الكبرى على تجاوز خلافاتها السياسية.
وفي وقت تتزايد فيه الأزمات الدولية وتتصاعد التهديدات الأمنية، يبدو أن مطلب إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل لم يعد مجرد شعار دبلوماسي، بل أصبح جزءاً من معادلة أكثر تعقيداً ترتبط بمستقبل الاستقرار الإقليمي والعالمي، في وقت ترى فيه القاهرة أن أمن المنطقة لا يمكن أن يتحقق بوجود استثناءات أو معايير مزدوجة في ملف بالغ الحساسية مثل السلاح النووي.




