في شهر يفترض أن يحمل معاني الرحمة والسكينة، يعيش آلاف الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية تجربة مختلفة تمامًا، حيث يتحول رمضان من موسم للعبادة والتقرب إلى الله إلى اختبار يومي للصبر والتحمل. وبين القيود الأمنية المشددة وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة الدينية والإنسانية، يجد الأسرى أنفسهم في مواجهة واقع قاسٍ يحدّ من قدرتهم على ممارسة شعائرهم، ويضاعف من معاناتهم النفسية والمعيشية خلال الشهر الفضيل.
ولا تقتصر هذه المعاناة على نقص الطعام أو القيود المفروضة على الصيام، بل تمتد إلى سياسات وإجراءات يُنظر إليها على أنها تضييق متعمد على الحياة الدينية داخل السجون، مثل منع الصلاة الجماعية أو تقييد إدخال المصاحف وعدم إبلاغ الأسرى بمواقيت الإفطار والسحور. ومع تكرار الاقتحامات وعمليات التفتيش والعقوبات الجماعية، تتشكل صورة أكثر قتامة لواقع الأسرى في رمضان، حيث يصبح التمسك بالطقوس الدينية فعل مقاومة معنوية في وجه ظروف الاعتقال الصعبة.
أبو عرف: نرفع أكفنا بالدعاء
“الاحتلال ينتهز كل فرصة للتنكيل بالأسرى، وأكثر الأوقات التي يفضلها هي تلك التي تحمل لك قداسة خاصة، لحظاتك الأقرب إلى الله، والأشد التصاقًا بروحك. كان أول إفطار لنا في شهر رمضان داخل قسم 15 بسجن عوفر امتحانًا إضافيًا للصبر، لا للطعام فقط، كنا نرفع أكفّنا بالدعاء، نتهيأ للإفطار بما تيسر، دون مبالغة حين أقول إن وجبة أحد عشر أسيرًا في الغرفة بالكاد تكفي شخصًا واحدًا خارج تلك الجدران”. حسب تصريحات الأسير المحرر الصحفي عامر أبو عرفة لوكالة “صفا”.
ويتابع “دقائق قليلة كانت تفصلنا عن أذان المغرب، عن لحظة كنا ننتظرها منذ الفجر، فإذا بالأصوات تدوي فجأة، والباب يُفتح على اقتحام، تفتيش، تكبيل الأيدي إلى الخلف، إخراج قسري من الغرفة باتجاه غرف الدُشّات في الخارج. كانوا يدخلون غرفنا، ويحوّلوها، رغم فقرها، إلى ساحة حرب لم يكن هناك ما يُفتَّش عنه، ولا ما يُصادَر، سوى رغبتهم الخالصة في التنغيص، في كسر اللحظة، في إفساد قداسة الإفطار الأول”.
“كان المشهد رسالة واضحة: أنت تعيش على هوانا، وبطريقتنا، ولا مقدّس لك هنا، ففي قاموسهم، كل شيء مستباح، حتى الدعاء، والأذان مطارد ويبحث عن فاعله، حتى الجوع الذي ينتظر إفطاره”. حسب أبو عرفة.
أنس: محرمون من أبسط حقوقنا
“رمضان في السجن ليس مجرد صيام، بل مواجهة يومية مع العزل والإجراءات العقابية. كنا محرمون من أبسط حقوقنا لا سحور جيد ولا عبادة مناسبة، كنا نعيش على التضييقات والتفتيشات وأذى السجانين، وسط غياب تام لأي ملامح للعبادة التي نريدها وكان يومنا يسير على هوى السجان والسجانين”. حسب الأسير المحرر أنس نصر لوكالة “صفا”.
ويتابع “بعض الأسرى كانوا يُحرمون من إدخال مستلزمات أساسية، أو يُمنعون من الحصول على كميات كافية من المياه الساخنة، ما يجعل السحور في أوقات الفجر الباكر مهمة شاقة. حتى الصلاة الجماعية أو الاعتكاف داخل الغرف قد تُقيّد، فالأسرى يتمسكون بأي مساحة روحية، لكن القيود الأمنية تحاصرهم، والقمع حاضر في كل لحظة”.
ويكمل حديثه “رمضان يوقظ الحنين، الأسير يتذكر عائلته، أطفاله، تفاصيل بيته، هذا الاشتياق يتحول إلى عبء نفسي ثقيل، خاصة في ظل انقطاع الزيارات. كنا نكسر هذا الواقع بحلقات تلاوة، أو الادعية الجماعية، خطبة قصيرة موعظة دينية، إلا أن هذه الأمور تقابل بقمع كبير وتعذيب من قبل إدارة السجون”.
شؤون الأسرى: سحب المصاحف ومنع الصلاة
السجون الاسرائيلية لا تقدم وجبة السحور للأسرى وما يُقدم لهم وجبة واحدة خلال النهار وليس وقت الإفطار. ما يقدم للأسرى وجبة رديئة من حيث النوعية والكمية، ولا تكفي للإفطار، وحتى الطعام يصل أحيانًا فاسدًا، نتيجة بقائه لساعات طويلة قبل توزيعه، في ظل سياسة تجويع متعمدة سبقت رمضان وتفاقمت خلاله”. حسب الباحث المختص في شؤون الأسرى رياض الأشقر.
وتتعمد إدارة السجون خلال الشهر الفضيل، سحب المصاحف ومنع الصلاة الجماعية وصلاة التراويح، فضلًا عن عدم إبلاغ الأسرى بمواعيد الإفطار والسحور. مشيرًا إلى أن هذا الإجراء يُربك صيام الأسرى ويدفعهم لتأخير الصيام. موضحًا أن اعتداءات الاحتلال لم تقتصر على هذا الحد، بل تصاعدت الاقتحامات المتكررة للغرف والأقسام، وتعرض الأسرى للضرب والسحل والتقييد.





