في زوايا المدن الأوروبية الهادئة، وبين جدران المقاهي، وقاعات الجامعات، ومراكز الأنشطة الثقافية، يلمع حضور الفلسطينيين المغتربين الذين وجدوا في الهجرة بابًا مفتوحًا للحرية، والتعليم، والعمل، دون أن يكون ذلك نهاية ارتباطهم بوطن لا تغيب ذكراه عن وجدانهم.
بين حنين للوطن ووجع الغربة، يعيش آلاف الفلسطينيين في دول أوروبا معادلة معقدة: الاندماج في مجتمعات جديدة دون التفريط في الهوية. وقد رسمت هذه الثنائية ملامح قصص لافتة لشخصيات فلسطينية باتت فاعلة في الحياة العامة الأوروبية، لكن جذورها لا تزال متشبثة بتراب الوطن.
الغربة كنافذة جديدة.. لا بديلاً عن الوطن
“الغربة منحتني صوتًا حرًا، لكنها لم تمنحني وطنًا”، بهذه الكلمات تبدأ ليلى محمود، فلسطينية من مدينة نابلس، حديثها. ليلى التي تعيش في برلين منذ سبعة عشر عامًا، تعمل اليوم أستاذة جامعية في الأدب العربي، وتدير مركزًا ثقافيًا يروّج للفن الفلسطيني. تقول لميدل إيست بوست:
“حين أقدم أمسية شعرية عن الأسرى أو عن غزة، لا أكون مجرد مغتربة تعبّر عن الحنين، بل شاهدة على جرح مستمر. أنا أعيش هنا، نعم، لكن وجداني هناك، في البلاد التي لم أعرفها إلا من بوابة الألم.”
وتضيف:
“تعلمت كيف أستثمر الحضور الأوروبي لأكون صدى لقضيتنا. لا أستطيع العودة، لكنني أستطيع أن أروي روايتنا هنا، بلغتهم.”
هوية مزدوجة أم ازدواج في الهوية؟
من جهة أخرى، يشير رائد فودة، رجل أعمال فلسطيني مقيم في السويد منذ أكثر من عشرين عامًا، إلى التحدي الأكبر الذي يواجه الفلسطيني المغترب، وهو بناء توازن بين هويته الثقافية الأصلية ومتطلبات الاندماج.
“نحن لا نحمل جواز سفر فحسب، بل ذاكرة كاملة فيها مخيم، وجدّ هُجّر، وصورة مفاتيح لا تزال معلّقة في البيت. لكن علينا أن نعيش، نُنتج، نندمج، نبني، وهذا ما نحاول فعله دون أن نُذيب أنفسنا في المجتمعات الجديدة.”
يملك رائد سلسلة مطاعم، ويشارك في تمويل مبادرات تعليمية للأطفال الفلسطينيين في الضفة الغربية. ويؤمن أن رأس المال الفلسطيني في أوروبا يمكن أن يكون قوة اقتصادية مؤثرة لو جرى تنظيمه.
العودة المؤجلة.. والحضور المستمر
في بروكسل، تشرف دعاء خليل، وهي ناشطة فلسطينية – بلجيكية، على تنظيم فعاليات فنية وسياسية مرتبطة بالقضية الفلسطينية.
“نحن لسنا طلاب عودة فقط، نحن طلاب حضور. قد لا نعود جسديًا في هذه اللحظة، لكننا حاضرون في كل محفل يدافع عن فلسطين.”
دعاء ولدت في بلجيكا لأبوين لاجئين، وتتقن العربية والفرنسية والهولندية، وتقول إنها نشأت في منزل “لم يكن فيه شيء أكثر قداسة من اسم فلسطين”. وتضيف:
“علّمتني أمي أن أحب هذا البلد الذي ولدت فيه، لكنني تعلمت وحدي أن فلسطين هي الوطن الذي لم يمنحني جنسية لكنه منحني معنى.”
الحنين كقوة دافعة وليست مجرد عاطفة
تشير دراسات مجتمعية إلى أن المغتربين الفلسطينيين في أوروبا، خاصة الجيل الثاني والثالث، باتوا أكثر وعيًا بقضيتهم، وأكثر رغبة في الانخراط بعمل منظم يصون الهوية الثقافية ويصوغ خطابًا فلسطينيًا حديثًا بلغة الغرب. ويبرز هذا في تزايد الجمعيات الثقافية، وارتفاع نسبة المتحدثين باسم القضية في الإعلام الأوروبي.
يؤكد الباحث الاجتماعي طارق زيدان أن “الحنين لم يعد فقط شعورًا رومانسيًا عند المغترب الفلسطيني، بل بات محرّكًا للهوية ومصدرًا للطاقة في التعبير السياسي والفني والإنساني.”
جذور لا تموت
يعيش الفلسطينيون في أوروبا حياةً مليئة بالمعادلات الدقيقة. يحلمون بمستقبل أفضل في بيئة مستقرة، يربّون أبناءهم على قيم الانفتاح والحرية، لكنهم في الوقت نفسه يزرعون فيهم حب فلسطين، ليس بوصفها مجرد قضية، بل كهوية حيّة.
إن الغربة قد تغيّر العناوين، لكنها لا تمحو الأصل. ويبدو أن الفلسطيني، حيثما وُجد، لا يتخلى عن مكانه في الرواية، سواء كراوٍ أو كشاهد أو كصانعٍ لحلقة جديدة من حلقات النضال.




