خسائر الجيش الإسرائيلي في غزة باتت تمثل واحدة من أكثر القضايا حساسية داخل إسرائيل، سواء على الصعيد العسكري أو السياسي أو المجتمعي. الإعلان الرسمي عن مقتل ضابط برتبة رائد شمال القطاع، بعد يوم واحد فقط من إصابة ضابطين آخرين بجروح متفاوتة، يعكس استمرار المقاومة الفلسطينية في استنزاف القوات المهاجمة، رغم مرور نحو عامين على الحرب ومرحلتها البرية المستمرة منذ أسابيع في مدينة غزة ومحيطها.
خسائر فادحة
الأرقام التي يعلنها الجيش الإسرائيلي تشير إلى مقتل 910 عسكريين منذ بداية الحرب، وإصابة أكثر من 6200 آخرين، نصفهم تقريباً في قطاع غزة. لكن هذه الحصيلة الرسمية، على ضخامتها، تواجه تشكيكاً واسعاً سواء في الداخل الإسرائيلي أو في أوساط المتابعين للشأن العسكري. فشهادات عائلات الجنود، والتقارير المتسربة من المستشفيات العسكرية، والتقديرات الفلسطينية، جميعها تلمّح إلى أن العدد الحقيقي للقتلى والجرحى قد يكون أعلى بكثير مما يُنشر.
الرقابة العسكرية المفروضة في إسرائيل تشكل عاملاً أساسياً في هذا الغموض، إذ تمنع وسائل الإعلام المحلية من نشر تفاصيل دقيقة حول أعداد القتلى أو طبيعة الإصابات أو حتى هوية بعض الوحدات المتضررة. الهدف المعلن هو الحفاظ على الأمن العملياتي، لكن الهدف الأعمق يتعلق بالحفاظ على الروح المعنوية للجنود والمجتمع الإسرائيلي، ومنع تفاقم الاحتجاجات الداخلية ضد استمرار الحرب. في الحروب السابقة، لعبت أعداد القتلى الكبيرة دوراً حاسماً في الضغط على الحكومات الإسرائيلية، ولذلك يسعى المستوى السياسي والعسكري حالياً لتجنب تكرار السيناريو نفسه.
إخفاء حجم الخسائر
المؤشرات الميدانية من غزة تعزز فرضية أن الجيش يتكبد خسائر أكبر مما يعترف به رسمياً. طبيعة القتال في بيئة حضرية مكتظة، واستخدام المقاومة لأساليب الكمائن والقذائف المضادة للدروع والأنفاق، تجعل القوات الإسرائيلية عرضة لضربات مستمرة. سقوط ضباط قادة سرايا وكتائب، كما في حالة الكتيبة 77 أو لواء غفعاتي، يكشف أن الخسائر لا تقتصر على الجنود العاديين بل تطال مستويات قيادية مؤثرة، ما يزيد من تعقيد العمليات العسكرية.
كما أن طول أمد الحرب وتكرار الهجمات على القوات البرية يوحيان بأن استراتيجية “الحسم” التي روّجت لها القيادة الإسرائيلية فشلت في تقليص الخسائر أو فرض سيطرة مستقرة على الأرض. كل ذلك يجعل من احتمالية إخفاء حجم الخسائر الحقيقية أمراً منطقياً في ضوء اعتبارات سياسية داخلية، خصوصاً مع تزايد الانتقادات الموجهة للحكومة ولرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حول غياب رؤية لإنهاء الحرب.
استنزاف حقيقي في غزة
من زاوية أخرى، فإن استمرار المقاومة في الإعلان عن استهداف آليات ودبابات إسرائيلية، مقابل تحفظ الجيش عن نشر تفاصيل دقيقة، يعزز الفجوة بين الروايتين ويزيد من الشكوك حول الشفافية الإسرائيلية. وفي حال تراكمت هذه الفجوة مع مرور الوقت، فقد تتحول إلى أزمة ثقة داخل المجتمع الإسرائيلي، خاصة بين عائلات الجنود الذين يدفعون الثمن المباشر للحرب.
ما يظهر للعلن هو أن الجيش الإسرائيلي يعاني من استنزاف حقيقي في غزة، وأن البيانات الرسمية لا تعكس بالضرورة الحجم الكامل للخسائر البشرية. وبينما تحاول إسرائيل إظهار قدرة على مواصلة العمليات، تكشف الوقائع الميدانية أن تكلفة هذه الحرب تتضاعف مع كل يوم، وهو ما قد يضع المؤسسة العسكرية والسياسية في مواجهة اختبار صعب أمام الرأي العام المحلي والدولي على حد سواء.






