أفادت تقارير حقوقية بأن الأجهزة الأمنية الإيرانية كثّفت من ملاحقاتها لعائلات ضحايا الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت عقب وفاة الشابة الكردية – الإيرانية مهسا (جينا) أميني في سبتمبر (أيلول) 2022.
وذكرت مصادر أن تلك العائلات تعرضت في الأيام الأخيرة للاستدعاء والتهديد من قبل أجهزة الاستخبارات، في محاولة لمنعها من تنظيم أي فعاليات لإحياء الذكرى الثالثة للحادثة التي أشعلت واحدة من أكبر موجات الغضب الشعبي في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
استدعاءات وضغوط
نقل موقع «إيران إنترناشيونال» أن بعض أفراد عائلات الضحايا استُدعوا إلى مقار الأجهزة الأمنية في طهران وعدة مدن، وسط تحذيرات من أي تحرك جماعي أو دعوات علنية لإحياء المناسبة.
هذه الإجراءات تأتي امتداداً لسياسة متواصلة منذ عامين، شملت منع التجمعات وتقييد حركة معتقلي احتجاجات «المرأة… الحياة… الحرية».
«لن ننسى»… رسالة الأب المكلوم
في خطوة رمزية، نشر والد مهسا أميني، أمجد أميني، رسالة مؤثرة عبر «إنستغرام» أكد فيها أن كردستان وإيران «لن تنسيا أبداً ابتسامة وردة حياتنا»، مشدداً على أن المطالبة بالعدالة ستبقى مستمرة رغم القمع.
وأوضح أن فقدان ابنته تحول إلى «بركان مشتعلاً في قلوبنا» وأنها «ستبقى شهيدة وطنية خالدة».
تقارير حقوقية دولية
من جهته، أكد الموقع الحقوقي الإيراني «هرانا» أن النظام لم يُحاسَب رغم نتائج لجنة تقصّي الحقائق التابعة للأمم المتحدة التي حمّلت السلطات مسؤولية «القتل غير القانوني» لمهسا أميني.
وشدد البيان على ضرورة تحرك المجتمع الدولي عبر آليات قضائية وعقوبات محددة الهدف لإنهاء إفلات المسؤولين من العقاب.
أشار التقرير الحقوقي إلى أن انتفاضة «المرأة… الحياة… الحرية» لم تنطفئ رغم القمع، بل تحولت إلى أنماط جديدة من النشاط السياسي والاجتماعي، من بينها الحملات الإلكترونية، والتضامن العابر للحدود، واستمرار الاحتجاجات المحلية متفرقة في الجامعات والمناطق الكردية.
«لائحة اتهام» أميركية
في المقابل، أصدرت وزارة الخارجية الأميركية بياناً بمناسبة الذكرى الثالثة، أكدت فيه أن مقتل مهسا أميني «لائحة اتهام حاسمة» ضد النظام الإيراني. وشددت على أن طهران تنفق مواردها على «تصدير الإرهاب» فيما يعاني شعبها من أزمات معيشية خانقة.
وأكد البيان أن واشنطن «ستواصل ممارسة أقصى الضغوط» لمحاسبة النظام، مع التزامها بدعم تطلعات الشعب الإيراني لحياة كريمة.
ويرى الباحث في الشؤون الإيرانية د. رضا كاظمي أن السلطات تعتبر أي إحياء لذكرى أميني تهديداً مباشراً، لأنها تحولت إلى رمز جامع لمختلف التيارات الاحتجاجية. ويضيف أن النظام يخشى أن يعاد إنتاج موجة احتجاجات 2022 بصورة أقوى وأكثر تنظيماً.
ملف مفتوح أمام الأمم المتحدة
تقول الخبيرة الحقوقية مها صادقي إن قضية أميني تجاوزت حدود إيران لتصبح ملفاً دولياً مستمراً، مشيرةً إلى أن تقارير لجان التحقيق الأممية توفر قاعدة قانونية يمكن أن تُستخدم مستقبلاً في محاكمات دولية، رغم تعطيل طهران لأي مساءلة داخلية.
ويعتبر عالم الاجتماع فرهاد نوري أن الأجيال الشابة في إيران ترى في أميني «أيقونة مظلومية»، وأن ذكراها أصبحت جزءاً من الهوية السياسية الجديدة للشباب، مما يجعل محاولات السلطات للطمس أو الترهيب غير مجدية على المدى الطويل.
ويؤكد الخبير الاقتصادي حسين جلالي أن استمرار القمع السياسي يفاقم عزلة إيران الاقتصادية، ويُفقدها فرص استثمارية حيوية. ويشير إلى أن العقوبات المتجددة المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان ستظل عبئاً يضاف إلى أزمات التضخم والبطالة.
إيران بين الداخل والخارج
وبحسب المحلل الإستراتيجي سعيد البرز، فإن تشدد طهران داخلياً يقترن بتصعيد سياساتها الخارجية في المنطقة، في محاولة لصرف الأنظار عن أزماتها الداخلية، لكنه يرى أن استمرار الربط بين «القمع في الداخل» و«التدخلات في الخارج» يزيد عزلة إيران، ويعزز مبررات الضغوط الدولية عليها.






