في مشهد تعليمي غير مسبوق، يتقدم أكثر من 90 ألف طالب وطالبة فلسطيني هذا العام لامتحانات الثانوية العامة “التوجيهي” وسط ظروف استثنائية فرضتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، ووسط خيام النزوح، والقاعات الدراسية في الضفة الغربية، ومراكز اللجوء والاغتراب في 46 دولة حول العالم، وحتى داخل السجون الإسرائيلية، يخوض الطلبة امتحانهم المصيري في ظل واقع من التهجير والانقطاع التعليمي والتشتت الجغرافي.
وتنطلق اليوم السبت امتحانات الثانوية العامة في فلسطين للعام 2026، في دورة استثنائية تعكس حجم الانقسام الجغرافي والإنساني الذي فرضته الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، حيث يتوزع عشرات آلاف الطلبة بين القاعات الامتحانية داخل فلسطين، والتعليم الإلكتروني في القطاع المحاصر، و46 دولة حول العالم، وسجون الاحتلال ، في مشهد غير مسبوق في تاريخ “التوجيهي” الفلسطيني.
حركة نزوح تعليمية
وتتصدر مصر قائمة الدول المستقبلة للطلبة الغزيين في هذا السياق بـ1,559 طالبًا وطالبة، أي ما يقارب 80% من إجمالي طلبة غزة في الخارج، تليها الإمارات 51، وقطر 47، وتركيا 36، وروسيا 37، وسلطنة عمان 26، إلى جانب عشرات الدول الأخرى في أوروبا وآسيا وأفريقيا والأميركتين، من بينها ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وكندا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، بأعداد متفاوتة.
هذا التوزيع الواسع لا يعكس فقط حركة نزوح تعليمية، بل يعكس أيضًا واقعًا إنسانيًا أعمق، حيث يجد الطلبة أنفسهم في بيئات تعليمية وثقافية مختلفة تمامًا، بينما تظل الحرب في غزة خلفية يومية حاضرة في تفاصيلهم النفسية والمعيشية. وتؤكد وزارة التربية والتعليم أن هناك 65 معتقلًا فلسطينيًا في سجون الاحتلال الإسرائيلي يتقدمون لامتحانات الثانوية العامة هذا العام، في مشهد يضيف بعدًا آخر لقصة “التوجيهي” الفلسطيني، الذي لم يعد مقتصرًا على القاعات الدراسية، بل يمتد إلى الزنازين ومراكز اللجوء وقاعات الشتات.
امتحانات في ظروف استثنائية غير المسبوقة
يتقدم للامتحانات هذا العام 51,499 طالبًا وطالبة في الضفة الغربية، و37,698 في قطاع غزة، إضافة إلى 1,941 طالبًا من طلبة قطاع غزة الموجودين خارج فلسطين، موزعين على عشرات الدول في قارات مختلفة، ليصل العدد الإجمالي إلى أكثر من 90 ألف طالب وطالبة في مختلف أماكن وجودهم. حسب وزارة التربية والتعليم العالي.
وتشير الوزارة إلى أن توزيع الطلبة على الفروع الأكاديمية جاء على النحو التالي: 55,751 في الفرع الأدبي، و25,349 في الفرع العلمي، فيما يتوزع بقية الطلبة على الفروع الشرعية، والريادة والأعمال، والفروع المهنية، والكفاءة المهنية، في دلالة على اتساع قاعدة التعليم رغم ظروف الحرب والانهيار المتواصل في البنية التعليمية داخل قطاع غزة.
الوزارة استكملت كافة استعداداتها لعقد امتحانات الثانوية العامة، رغم الظروف “الاستثنائية وغير المسبوقة” التي تمر بها العملية التعليمية، خاصة في قطاع غزة الذي تعرضت مدارسه وجامعاته لدمار واسع نتيجة الحرب وفقا للناطق باسم وزارة التربية والتعليم العالي، صادق الخضور.
اختبار جماعي للصمود في وجه الحرب والتهجير
وأوضح الخضور أن امتحانات طلبة قطاع غزة ستُعقد إلكترونيًا بالكامل عبر برمجية “وايز سكول”، في محاولة لضمان استمرار العملية التعليمية في ظل تعذر الوصول إلى بيئة امتحانية تقليدية، بينما ستُعقد امتحانات طلبة الضفة الغربية بالطريقة الاعتيادية داخل القاعات، باستثناء اختبار التربية الدينية المقرر بتاريخ 4 تموز/يوليو، والذي سيُعقد إلكترونيًا داخل القاعات الامتحانية.
وأشار إلى أن اعتماد الامتحان الإلكتروني في بعض المواد يأتي ضمن توجه حكومي نحو تعزيز التعليم الرقمي، بعد استكمال الجاهزية التقنية وضمان موثوقية النظام، في ظل التحولات القسرية التي فرضتها الحرب على قطاع التعليم، وفي واحدة من أكثر صور التشتت التعليمي تعقيدًا، كشفت الوزارة أن 1,941 طالبًا من طلبة قطاع غزة الذين تمكنوا من مغادرة القطاع سيتقدمون لامتحانات الثانوية العامة هذا العام من 46 دولة حول العالم، حيث توزعت أعدادهم على نحو واسع يعكس حجم الشتات القسري الذي فرضته الحرب.
وفي ظل هذا الواقع، يبدو “التوجيهي” الفلسطيني هذا العام أكثر من مجرد امتحان أكاديمي، إذ يتحول إلى اختبار جماعي للصمود في وجه الحرب والتهجير والانقطاع القسري عن المسار التعليمي، حيث يتوزع الطلبة بين خيام النزوح في غزة، وقاعات الضفة الغربية، ومدن بعيدة في قارات مختلفة، لكنهم يجتمعون جميعًا على قلق واحد ومصير تعليمي مشترك.




