تشهد الأرض الفلسطينية، تصعيدًا ميدانيًا، حيث لم تعد هجمات المستوطنين مجرد وقائع عنف عابرة، بل تحولت إلى أدوات ضغط مركّبة تستهدف الإنسان والمكان معًا. استهداف المنازل وإحراقها، وتعطيل وصول فرق الإنقاذ، واستخدام وسائل مراقبة متطورة، كلها مؤشرات على نمط جديد من الاعتداءات يتجاوز الفعل الفردي إلى سلوك ممنهج يسعى لفرض وقائع قسرية على الأرض.
وتعكس هذه التطورات انتقال الاعتداءات إلى مستوى يمس الحياة اليومية للفلسطينيين بشكل مباشر، إذ تتحول البيوت من ملاذات آمنة إلى ساحات استهداف، وتُقوَّض مقومات الاستقرار الاجتماعي والنفسي، خاصة في ظل تكرار الهجمات واتساع رقعتها الجغرافية.
نيران المستعمرين المفتعلة
وكانت قرية دير الحطب شرق نابلس آخر القرى التي واجهت نيران المستعمرين المفتعلة، وقبلها في الفندقومية وسيلة الظهر جنوب جنين، وفي قرى رام الله والخليل وسلفيت والأغوار وبيت لحم، من شمال الضفة الغربية وصولا إلى جنوبها، على مدار الأسابيع الماضية. كانت هذه القرى تواجه المصير ذاته؛ بفعل هجمات المستعمرين.
سيرين البالغة من العمر 18 عاما، كانت تحاول اقتناص فرصة للتركيز في أوراقها ومتابعة التحضير لتقديم امتحانات في مادة الديكور المنزلي… وإذا بأصوات تعلو حول منزلها الواقع إلى الشرق من قرية دير الحطب شرق نابلس. فجأة تجد نفسها محاطة بالنيران بعد استهداف مئات المستعمرين المنزل.
عائلة سيرين التي جلست حول المائدة بعد تحضير وجبة العشاء، وأغلقت الأبواب لتوفير جو دراسي لها داخل غرفة الضيوف. لم تنته حتى فاجأتها نيران سريعة الانتشار، لتقطع تفاصيل الأحاديث ولمة العائلة في ثالث أيام عيد الفطر.
سامر: المستعمرون هاجموا منزلي وأحرقوه
الطالبة سيرين لجأت إلى والدها وهي تصرخ بعد أن أتت النار على كل ما في الغرفة حتى كتبها الدراسية. يقول الأب سامر عمر (50 عاما): “لا يمكن وصف ما حدث (..) جاءوا بقصد القتل.. القتل فقط “قرابة الساعة السادسة والنصف من ليلة أمس الأحد، هاجم مئات المستعمرين منزلنا، وألقوا مواد حارقة سريعة الاشتعال والانتشار، في مركبتي المتوقفة في فناء المنزل، ثم استهدفوا غرفة الضيوف بعد تكسير نوافذها، حيث كانت ابنتي سيرين تدرس”. حسب وكالة وفا.
ويتابع عمر: “لم أستطع التصرف وقتها من هول الحدث، لحظات حتى قررت اللجوء أنا وعائلتي إلى مطلع الدرج المؤدي إلى سطح المنزل، لكن بسبب النيران والدخان، قررنا الصعود إلى سقف الدرج، رغم أنه غير آمن أيضا، لأن المنزل كله مغطى بالدخان”.
يؤكد: “أكثر من نصف ساعة والمستعمرون مستمرون في الهجوم واستهداف المنزل بالحجارة، وذلك بحماية جنود الاحتلال، وباستخدام طائرة (درون) يراقبون من خلالها ما يحدث “منزلي الأخير في القرية، استغرقتُ ست سنوات لبنائه، وكنت أظن أنه ملاذي الآمن والهادئ، بعيدا عن الضوضاء. اليوم أصبح يسكنه الدخان والرماد، فقط لأنه متاخم لمستعمرة “ألون موريه”، التي جاءوا منها، لقد استعانوا بمستعمرين من مناطق أخرى”.
ويتساءل: “لماضا علينا أن ندفع ثمن مقتل أحد المستعمرين بحادث سير بعيدا عن هنا؟”. اليوم أصبح عمر الذي بنى جزءا كبيرا من منازل القرية بلا مأوى، بعد أن أضاعت نيران المستعمرين عليه فرصة استكمال بناء طابق آخر فوق منزله “كان حلمنا أن تحصل ابنتي على شهادة هندسة الديكور وتصمم الطابق الجديد كما تريد”.
برهان: جيش الاحتلال يحمي جرائم المستعمرين
المستعمرون استهدفوا 21 قرية في الضفة الغربية خلال اليومين الماضيين، شكلت 8 موجات من الاعتداءات، نتج عنها 19 إصابة وتضرر 14 منزلا ومشطب مركبات بفعل الحرائق، وتضرر 23 مركبة. حسب إحصاءات حصلت عليها وكالة “وفا”، من هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.
أمتار معدودة تفصل منزل عائلة سامر عمر عن المنزل الآخر المكون من طابقين، وتعود ملكيته للمواطن برهان عمر، ليعيش التجربة ذاتها، فقد كان يتنقل من زاوية إلى أخرى عله يحمي أطفاله وزوجته من النيران التي التهمت المنزل، فلجأ إلى سطح المنزل أيضا.
ويقول: “الأمر لم يكن فجأة بل كان مدبرا ومخططا له، وكنت أتوقع ذلك، لكن ليس بهذه الحدة والدرجة من العنف، لقد استخدموا كل الوسائل حتى طائرات (الدرون).. جاءوا من أكثر من جهة ويعلمون طبيعة المنطقة. هاجموا أكثر من منزل في اللحظة ذاتها، ما يعني أنهم كانوا يقسمون الأدوار بينهم، ويقطعون الطرق على كل من يحاول المساعدة بحماية من جيش الاحتلال؛ وذلك بهدف القتل والتدمير”.
هجوم المستعمرين ليلة أمس على الجهة الشرقية من القرية، نتج عنه إحراق 4 منازل بشكل كامل وجزئي، إضافة إلى إحراق 9 مركبات، وإصابة 13 مواطنا منها بالرصاص والرضوض والاختناق، أربعة منهم احتاجوا إلى النقل إلى المستشفيات، وأحدهم بحاجة إلى عملية جراحية وهي إصابة لشاب بحجر في الوجه، نتج عنها كسور في الفك. حسب القائم بأعمال لجنة تسيير أعمال مجلس دير الحطب القروي نضال زامل.





