في تطور لافت على جبهة شمال سوريا، فُتح ممر إنساني باتجاه مدينة كوباني ذات الغالبية الكردية، التي تشهد أوضاعًا إنسانية صعبة في ظل حصار عملي فرضته التطورات العسكرية الأخيرة. ووصلت أول قافلة مساعدات تابعة للأمم المتحدة، الأحد، حاملة إمدادات وُصفت بـ”الحيوية” للمدنيين الذين نزحوا أو حوصروا جراء القتال.
هذا التحرك الإنساني تزامن مع تمديد وقف إطلاق النار بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية لمدة خمسة عشر يومًا إضافية، في هدنة تبدو هشة، تحيط بها اتهامات متبادلة بخرقها، وتعكس تعقيدات المشهد السياسي والعسكري في واحدة من أكثر المناطق حساسية في الجغرافيا السورية.
هدنة مؤقتة… وتنازلات ميدانية واسعة
جاء تمديد وقف إطلاق النار بعد تنازل القوات الكردية عن مساحات واسعة من الأراضي لصالح الجيش السوري، في خطوة تُقرأ على أنها جزء من مسار أوسع تسعى دمشق من خلاله إلى إعادة بسط سيطرتها على كامل التراب السوري.
لكن هذه الهدنة لم تمر دون توتر. فقد أعلنت قوات سوريا الديمقراطية عن اندلاع “اشتباكات عنيفة” فجر الاثنين، متهمة قوات موالية لدمشق بشن هجوم بري وقصف مدفعي على قرية خراب عشك جنوب شرق كوباني. في المقابل، تحدثت وسائل الإعلام الرسمية السورية عن تعرض الجيش لهجوم بطائرات مسيّرة قرب المدينة.
هذا التراشق العسكري والإعلامي كشف سريعًا هشاشة الاتفاق، وأعاد طرح تساؤلات حول قدرة الطرفين على ضبط الميدان في ظل تضارب الأهداف وتداخل اللاعبين المحليين والإقليميين.
كوباني… مدينة محاصرة بين الجغرافيا والسياسة
تقع كوباني، أو عين العرب، في أقصى شمال شرق سوريا، محاذية للحدود التركية من الشمال، ومحاطة بقوات الحكومة السورية من جهات عدة. وقد اتهمت القوات الكردية دمشق بفرض “حصار” فعلي على المدينة، في وقت يشكو فيه السكان من نقص حاد في الغذاء والمياه والكهرباء.
وتحوّلت كوباني خلال الأيام الماضية إلى ملاذ لآلاف الفارين من تقدم الجيش السوري في محيطها، ما فاقم الضغط على البنية الخدمية المحدودة أصلًا، ودفع الأمم المتحدة إلى التحرك العاجل لإدخال المساعدات.
الممرات الإنسانية… بُعد إنساني ورسائل سياسية
أعلنت السلطات السورية فتح ممرين إنسانيين، أحدهما باتجاه كوباني والآخر في محافظة الحسكة، حيث عزز الجيش حضوره مؤخرًا. وأكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وصول قافلة تضم 24 شاحنة محمّلة بإمدادات أساسية ومواد إغاثة ووقود ديزل، في عملية قالت إنها تمت بتعاون مباشر مع الحكومة السورية.
ورغم الطابع الإنساني الواضح لهذه الخطوة، يرى مراقبون أنها تحمل أيضًا رسائل سياسية، تسعى دمشق من خلالها إلى إبراز قدرتها على إدارة الملف الإنساني في المناطق التي تستعيدها، وإعادة تقديم نفسها كشريك لا غنى عنه في أي ترتيبات مستقبلية.
من رمز مقاومة داعش إلى عقدة سياسية
تحتل كوباني مكانة رمزية خاصة في الذاكرة السورية والدولية، إذ شكّلت عام 2015 أول انتصار كبير للقوات الكردية على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بعد حصار طويل حظي بدعم دولي واسع. ومنذ ذلك الحين، أصبحت المدينة عنوانًا لصعود المشروع الكردي في شمال وشرق سوريا.
غير أن هذا الرمز بات اليوم في قلب معادلة جديدة. فالحكومة السورية تدعو صراحة إلى حل قوات سوريا الديمقراطية، بينما ترى واشنطن أن المهمة الأساسية لهذه القوات، والمتمثلة في محاربة داعش، لم تعد أولوية كما كانت، في ظل سعيها لدعم “دولة مركزية قوية” في دمشق.
ملف معتقلي داعش… عامل ضغط إضافي
زاد تعقيد المشهد إعلان دمشق أن تمديد وقف إطلاق النار يهدف أيضًا إلى تسهيل عملية نقل معتقلي تنظيم داعش من سوريا إلى العراق، وهي عملية تقودها الولايات المتحدة خشية حدوث خروقات أمنية نتيجة الاشتباكات بين الجيش السوري والقوات الكردية.
وبدأت بالفعل عمليات نقل واسعة، تشمل ما يصل إلى 7000 مشتبه بانتمائهم للتنظيم، كان الأكراد يحتجزونهم سابقًا. وتشير المعطيات إلى أن دفعات أولى، ضمت معتقلين أوروبيين بارزين، نُقلت خلال الأيام الماضية، على أن تتبعها دفعات أكبر.
هذا الملف يضيف بعدًا دوليًا حساسًا للهدنة، ويجعل من استقرارها مصلحة مشتركة لأطراف تتجاوز حدود سوريا.
نحو الاندماج في الدولة… نهاية حلم الحكم الذاتي؟
تندرج الهدنة الحالية ضمن اتفاق أوسع ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية الكردية في الدولة السورية. وهو اتفاق يُطلب من الأكراد تقديم خطة تنفيذية واضحة له، ما يُعد، وفق محللين، ضربة قاسية لطموحات الحكم الذاتي التي بنتها هذه الأقلية خلال سنوات الحرب.
فبعد أكثر من عقد من إدارة شبه مستقلة في شمال وشمال شرق البلاد، يبدو أن ميزان القوى يميل لصالح إعادة المركزية، مدعومًا بمتغيرات إقليمية ودولية لم تعد تمنح المشروع الكردي الغطاء ذاته الذي حظي به في ذروة الحرب على داعش.
مشهد مفتوح على كل الاحتمالات
بين الممرات الإنسانية والاشتباكات المتقطعة، وبين الضغوط الدولية والرهانات الداخلية، تقف كوباني اليوم عند مفترق طرق. فالهدنة، وإن أتاحت متنفسًا إنسانيًا مؤقتًا، لا تزال عرضة للانهيار في أي لحظة، ما لم تُترجم التفاهمات السياسية إلى ترتيبات ميدانية واضحة.
وفي بلد أنهكته الحرب لسنوات طويلة، تبدو معركة السيطرة على كوباني أكثر من مجرد صراع عسكري؛ إنها اختبار لقدرة الدولة السورية على إعادة دمج مناطق خارجة عن سيطرتها، واختبار موازٍ لمستقبل الدور الكردي في سوريا ما بعد الحرب.






