تشهد العلاقات بين السودان وإثيوبيا مرحلة من التوتر المتصاعد وغير المسبوق، بعد تبادل اتهامات سياسية وعسكرية خطيرة بين البلدين، بالتزامن مع تحركات ميدانية قرب الحدود المشتركة، ما أثار تساؤلات متزايدة حول احتمالات انتقال الأزمة من مرحلة التصعيد السياسي إلى مواجهة إقليمية أوسع قد تهدد استقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها.
وتأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للخرطوم، التي تواجه تحديات داخلية هائلة جراء الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، وهو ما يجعل فتح جبهة توتر خارجية جديدة أمراً بالغ التعقيد سياسياً وعسكرياً، ويضع المنطقة أمام سيناريوهات شديدة الخطورة.
مخاوف دولية من اتساع الأزمة
تصاعدت المخاوف الدولية عقب تصريحات الدبلوماسي الأميركي السابق والخبير في شؤون السودان والقرن الأفريقي كاميرون هدسون، الذي حذر من تدهور العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا، مشيراً إلى تحركات عسكرية سودانية قرب الحدود المشتركة.
وأوضح هدسون أن التطورات الأخيرة لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد أزمة دبلوماسية عابرة، بل تأتي في سياق تاريخ طويل من التوترات المتراكمة والملفات الخلافية، ما يثير القلق من احتمالات خروج الأمور عن السيطرة، خاصة في ظل الأوضاع المضطربة التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب الداخلية عام 2023.
ورغم عدم صدور إعلان رسمي بشأن قطع العلاقات بين البلدين، فإن الحكومة السودانية اتخذت خطوات تصعيدية تمثلت في استدعاء سفيرها لدى إثيوبيا، بعد اتهامات وجهها الجيش السوداني لأديس أبابا بالتورط في عمليات عدائية استهدفت الأراضي السودانية.
اتهامات بشأن الطائرات المسيرة
وفي تطور لافت، أعلن الجيش السوداني خلال الأيام الماضية أن هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع داخل السودان انطلقت من مطار “بحر دار” الإثيوبي، معتبراً أن الأراضي الإثيوبية استُخدمت منصة لانطلاق عمليات مرتبطة بقوات الدعم السريع.
لكن أديس أبابا سارعت إلى نفي تلك الاتهامات بصورة قاطعة، مؤكدة أن هذه المزاعم تفتقر إلى الأدلة ولا تستند إلى حقائق موثقة، معتبرة أنها محاولة لإقحامها في الصراع السوداني الداخلي.
وأعادت هذه الاتهامات فتح ملفات قديمة تتعلق بطبيعة العلاقات بين إثيوبيا وأطراف الأزمة السودانية، خصوصاً مع ورود تقارير دولية تحدثت عن نشاطات عسكرية داخل مناطق إثيوبية قريبة من الحدود.
تقارير استقصائية تزيد المشهد تعقيداً
وزاد المشهد تعقيداً بعد تقارير استقصائية تحدثت عن وجود معسكرات تدريب لمقاتلين تابعين لقوات الدعم السريع داخل مناطق إثيوبية قريبة من حدود السودان، وبالتحديد في إقليم “بني شنقول”.
وتحدثت تقارير أخرى عن مؤشرات لوجود دعم لوجستي وعسكري مرتبط بأنشطة داخل قاعدة “أسوسا”، وهي معلومات أضافت مزيداً من الغموض حول حجم التداخل الإقليمي في الحرب السودانية.
ورغم خطورة تلك التقارير، لم تصدر إثيوبيا موقفاً تفصيلياً حيال بعض هذه المعلومات، وهو ما أبقى باب التأويلات مفتوحاً أمام المراقبين.
أديس أبابا ترد باتهامات مضادة
وفي المقابل، لم تكتف إثيوبيا بالنفي، بل ردت عبر اتهامات مضادة للخرطوم، مؤكدة أن السودان يدعم جماعات معارضة داخل أراضيها، لا سيما في إقليم تيغراي.
واتهمت وزارة الخارجية الإثيوبية الخرطوم بالتورط في أنشطة تمس أمن البلاد ووحدة أراضيها، مشيرة إلى أن الحكومة الإثيوبية تجنبت الإعلان عن هذه الاتهامات سابقاً حفاظاً على العلاقات الثنائية، قبل أن تصل الأزمة إلى مستويات غير مسبوقة من التوتر.
تاريخ طويل من الشكوك
ورغم أن التصعيد الحالي يبدو مرتبطاً بتطورات الحرب السودانية، فإن جذور الخلاف بين البلدين أقدم وأعمق من ذلك بكثير، فعلى مدار عقود، تبادلت الخرطوم وأديس أبابا أدواراً متشابكة في ملفات المعارضة المسلحة والصراعات الداخلية. فقد استضافت إثيوبيا في فترات مختلفة جماعات وقوى سياسية سودانية معارضة، كما لعبت دور الوسيط في عدة أزمات سودانية.
وعقب اندلاع الحرب الحالية، استضافت أديس أبابا لقاءات سياسية سودانية متعددة، كما استقبلت قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، الأمر الذي أثار انتقادات داخل السودان.
وفي المقابل، كانت الخرطوم أيضاً لاعباً مؤثراً في ملفات إثيوبية معقدة خلال العقود الماضية، خصوصاً خلال فترات التغيرات السياسية الكبرى داخل إثيوبيا.
الفشقة وسد النهضة.. ملفات لم تُغلق
ولا يمكن قراءة التصعيد الحالي بمعزل عن ملفات الخلاف التاريخية بين البلدين، وفي مقدمتها النزاع الحدودي في منطقة الفشقة، التي تمثل واحدة من أكثر النقاط حساسية بين الجانبين.
وتحولت الفشقة إلى بؤرة توتر بارزة منذ عام 2020 بعد إعادة انتشار الجيش السوداني في المنطقة واستعادة أراضٍ كانت تسيطر عليها مجموعات إثيوبية، بينما اعتبرت أديس أبابا الخطوة استغلالاً لانشغالها بأحداث تيغراي.
كما لا يزال ملف سد النهضة حاضراً بصورة غير مباشرة في خلفية العلاقات بين البلدين، باعتباره أحد الملفات الأكثر حساسية في الإقليم.
هل تقترب الحرب فعلاً؟
ورغم التصعيد اللفظي والتحركات العسكرية، يرى خبراء ومراقبون أن احتمالات اندلاع حرب شاملة لا تزال محدودة في الوقت الحالي.
ويستند هذا التقدير إلى عدة عوامل، أبرزها أن جيش السودان يخوض بالفعل حرباً داخلية واسعة تستنزف قدراته العسكرية، بينما تواجه إثيوبيا بدورها تحديات أمنية معقدة وأزمات داخلية في أكثر من إقليم.
لكن خبراء يحذرون في المقابل من أن استمرار التوترات وتراكم الاتهامات وغياب قنوات التهدئة قد يؤدي إلى مناوشات حدودية أو مواجهات محدودة قد تفتح الباب أمام تداعيات أكبر.
وفي منطقة تعاني أصلاً من هشاشة سياسية وأمنية مزمنة، تبدو أي شرارة إضافية كفيلة بإعادة رسم خريطة التوترات في القرن الأفريقي، وتحويل خلافات الحدود والاتهامات إلى أزمة إقليمية يصعب احتواؤها لاحقاً.




