يواجه الفلسطينيون واقعًا غير مسبوق مع اقتراب عيد الفطر، بعد قرار إغلاق المسجد الأقصى لأسابيع متواصلة، ما يحرم آلاف المصلين من أداء الشعائر الدينية في أحد أقدس الأماكن الإسلامية. ويأتي هذا الإجراء في سياق أمني وسياسي معقد، يرتبط بالحرب الإقليمية والتوترات المتصاعدة، ويعكس تحولات أوسع في إدارة ملف المقدسات ومحاولات فرض واقع جديد داخل الحرم القدسي.
ولا تقتصر تداعيات الإغلاق على البعد الديني فحسب، بل تمتد لتشمل أبعادًا إنسانية وسياسية، في ظل القيود المفروضة على الحركة ومنع الوصول إلى البلدة القديمة، إلى جانب تعطيل دور الأوقاف الإسلامية، ما يثير مخاوف من تقويض الوضع القائم تاريخيًا. وبين دعوات الرباط والتواجد الشعبي، واستمرار الإجراءات المشددة، تتشكل معادلة جديدة عنوانها الصراع على الهوية والسيادة الدينية في القدس، في توقيت بالغ الحساسية يتزامن مع موسم ديني مزدوج للمسلمين والمسيحيين.
غلق المسجد الأقصى خلال العيد
وفي هذا السياق، قال مصدر فلسطيني إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي ستُبقي على المسجد الأقصى مغلقا خلال عيد الفطر، ليُحرم بذلك عشرات آلاف الفلسطينيين من أداء صلاة العيد في رحابه. فضلا عن أن إغلاق المسجد الأقصى بقرار من قبل الاحتلال سيتواصل نظرا لإعلان الجبهة الداخلية الإسرائيلية تمديد تعليمات حالة الطوارئ اعتبارا من الاثنين إلى الأربعاء القادم. حسب الجزيرة نت.
وفي 28 فبراير/شباط الماضي أغلقت سلطات الاحتلال المسجد والبلدة القديمة من القدس بذريعة إعلان حالة الطوارئ بالتزامن مع الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران. ووفق اتفاق الوضع القائم، يخضع المسجد الأقصى إداريا لدائرة الأوقاف الإسلامية، التابعة لوزارة الأوقاف الأردنية، ويعد قرار إغلاقه تعديا على صلاحياتها.
من جهته، قال مستشار محافظة القدس لشؤون الإعلام معروف الرفاعي إن استمرار إغلاق البلدة القديمة ومنع سوى سكانها من دخولها، بالإضافة إلى استمرار إغلاق المسجد الأقصى لليوم السابع عشر على التوالي “حرم المصلين من أداء صلاة الجمعة في الجمعتين الأخيرتين من رمضان، كما حرمهم من الاعتكاف في العشر الأواخر ومن إحياء ليلة القدر في واحدة من أقدس بقاع الأرض”.
حصار المصلين حول الأقصى
ولا يقتصر تنغيص حرية العبادة على المسلمين فحسب، في حال استمر الإغلاق -وفقا للرفاعي- بل على المسيحيين الذين يؤدون حاليا الصوم الأربعيني، وفي نهايته من المفترض أن يحتفلوا بعيد الفصح المجيد بكنيسة القيامة في البلدة القديمة. “يُعتبر هذا الموسم مهما في الديانة المسيحية، ويتوجه فيه المسيحيون إلى الكنائس المختلفة لأداء الصلوات، وكنيسة القيامة ذات المكانة الأهم مغلقة منذ اندلاع الحرب”. وفقا للجزيرة.
ومنذ أكثر من أسبوع يؤدي مصلون من القدس ومناطق الداخل الفلسطيني صلوات المغرب والعشاء والتراويح في أقرب نقطة يمكنهم الوصول إليها حول الأقصى والبلدة القديمة. وبمجرد تجمعهم مساء الاثنين، بجوار باب الساهرة، أحد أبواب البلدة القديمة الشمالية، فرقتهم قوات الاحتلال التي طوقت المكان عبر استهدافهم بالضرب والقنابل الصوتية، وحاول بعض المصلين إكمال صلاتهم في منطقة المصرارة قرب باب العمود.
وقال الرفاعي إن قوات الاحتلال “تتعمد منذ الأحد تكثيف الحواجز الشرطية ونصب السواتر الحديدية للحد من حراك المصلين الرامي لكسر الحصار عن المسجد الأقصى، عبر أداء الصلوات في محيط البلدة القديمة وخاصة قرب بابي الساهرة والأسباط، وفي حي المصرارة وساحة مدرسة الرشيدية المقابلة لباب الساهرة”.
منع إقامة صلاة العيد
ورجح مستشار المحافظة لشؤون الإعلام أن تستمر هذه الملاحقة للمصلين لمنع إقامة صلاة العيد، أو الاحتفال بأي طقوس تخصه “ضمن استغلال إسرائيلي للحرب للسيطرة على المسجد الأقصى، وإدارة شؤونه بعد تحييد دور الأوقاف والوصاية الهاشمية تماما”.
وختم بالقول إن “إسرائيل تستغل الظرف الأمني وتمنع التجمهر مدّعية أنها تريد الحفاظ على حياة المقدسيين، لكنها في حقيقة الأمر تريد التحكم بهم وفرض السيطرة عليهم وعلى مقدساتهم وعلى رأسها المسجد الأقصى وكنيسة القيامة”.
من جهته يرى الباحث في شؤون القدس زياد ابحيص -على حساباته بمواقع التواصل الاجتماعي- أنه ومن خلال متابعة ما تنشره مختلف منظمات الهيكل على منصاتها، يوجد توافق بين منظمات الهيكل وشرطة الاحتلال على استدامة إغلاق المسجد الأقصى حتى يوم الأحد الموافق 29 مارس/آذار الجاري أو تاريخ قريب منه، ثم فتحه جزئيا بما يسمح لهم باقتحام الأقصى في أيام الفصح العبري ما بين 2 و9 أبريل/نيسان المقبل.
فتوى شرعية لأداء صلاة العيد
ويحتفظ الأردن بدور تاريخي في الإشراف على الشؤون الدينية في القدس منذ بايع أعيان القدس والمجلس الإسلامي الأعلى عام 1924 الشريف الحسين بن علي وصيا على المقدسات لحمايتها، وتأكد في اتفاقية “وادي عربة” للسلام، بين الأردن وإسرائيل 1994، ثم في اتفاقية وقّعها عام 2013 العاهل الأردني الملك عبد الله والرئيس الفلسطيني محمود عباس.
وفي ذات السياق، أصدر خطيب المسجد الأقصى الشيخ عكرمة صبري، فتوى شرعية تقضي بوجوب أداء صلاة عيد الفطر في أقرب نقطة ممكنة من المسجد الأقصى، في ظل استمرار إغلاقه لليوم التاسع عشر على التوالي بقرار من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، بذريعة حالة الطوارئ عقب اندلاع الحرب مع إيران.
وأكدت الفتوى ضرورة توجه المسلمين إلى محيط المسجد الأقصى والصلاة عند أبوابه وأعتابه، مع الدعوة إلى إغلاق جميع مساجد مدينة القدس وعدم إقامة صلاة العيد فيها، في خطوة تهدف إلى حشد المصلين في محيط الحرم القدسي. ودعا خطيب الأقصى أهالي القدس للتواجد والرباط عند أقرب نقطة من المسجد، بعد أن حرمهم الاحتلال من أداء الصلوات، بما فيها التراويح، داخل باحاته منذ بدء الإغلاق.
رفض التهويد
وفي سياق متصل، قررت سلطات الاحتلال تمديد إغلاق المسجد الأقصى حتى نهاية عيد الفطر، إلى جانب منع دخول أكثر من 25 موظفاً من موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية إلى المسجد خلال الفترات اليومية، في تصعيد مستمر للإجراءات المفروضة على الحرم القدسي.
من جانبه، أكد عضو المكتب السياسي ومسؤول مكتب شؤون القدس في حركة حماس، هارون ناصر الدين، أن الدعوات للصلاة والتواجد خلال عيد الفطر في المسجد الأقصى تمثل موقفاً دينياً ووطنياً أصيلاً، ورسالة تحدٍ واضحة في وجه إجراءات الاحتلال التي تسعى لعزل المسجد وإفراغه من المصلين والمرابطين.
وأوضح ناصر الدين، أن أداء الصلاة عند أقرب نقطة يمكن الوصول إليها في الأقصى يعد تأكيداً عملياً على التمسك بالحق في العبادة وعمارة المسجد ورفض تركه فريسة للتهويد، ورفضاً لسياسة الإغلاق والتقييد، ومحاولة لكسر الحصار المفروض على أحد أهم المقدسات الإسلامية. حسب وكالة صفا.
كسر حالة الصمت الدولي
وبيّن أن ما يفرضه الاحتلال في القدس من إغلاق ومنع للمصلين يمثل عدواناً على حرية العبادة، ومحاولة لفرض واقع جديد في الأقصى، ما يستدعي أوسع حالة من الحشد الشعبي والرباط.
ودعا ناصر الدين أبناء الشعب في القدس والضفة والداخل إلى تلبية نداء الحشد، والتوجه إلى أبواب الأقصى وساحاته ومداخله، وتحويلها إلى ساحات رباط دائم، تأكيداً على أن الأقصى لا يمكن عزله أو السيطرة عليه.
كما دعا الأمة العربية والإسلامية وأحرار العالم إلى تحمل مسؤولياتهم تجاه ما يجري في الأقصى، والعمل على كسر حالة الصمت والضغط لوقف هذه الإجراءات التي تمس بمشاعر ملايين المسلمين.





