على الرغم من الضجيج السياسي والإعلامي الذي رافق الإعلان عن اتفاق جديد في غزة، لا يبدو أن المشهد داخل القطاع قد تبدل كثيراً، فما زال السكان يعيشون وسط الدمار، ويكافحون للحصول على الطعام والمياه والعلاج، بينما يسيطر الشك على كثيرين بشأن قدرة حركة حماس على الوفاء بوعودها أو إحداث تغيير حقيقي في حياتهم اليومية.
وواقعيا، فإن الفجوة بين ما يُعلن على طاولات التفاوض وما يعيشه المواطن على الأرض تتسع يوماً بعد يوم، فبالنسبة لسكان القطاع، لا تقاس الاتفاقات بالبيانات الرسمية، وإنما بعودة الكهرباء، وتوافر الغذاء، وإعادة فتح المدارس والمستشفيات، وتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة، وهي أمور لا تزال بعيدة عن التحقق بالنسبة لآلاف الأسر.
وربما يكون السبب الرئيسي وراء حالة التشكيك أن سكان غزة عاشوا خلال السنوات الماضية على وقع العديد من الوعود التي لم تنعكس بصورة ملموسة على حياتهم، فالحروب المتكررة خلفت واقعاً اقتصادياً وإنسانياً بالغ الصعوبة، وأصبح المواطن أكثر حذراً في التعامل مع أي حديث عن انفراجة قبل أن يلمسها بنفسه.
كما أن الأزمة الحالية لا تتعلق بوقف إطلاق النار أو التفاهمات السياسية فقط، بل تمتد إلى حجم الدمار غير المسبوق الذي أصاب المنازل والبنية التحتية وشبكات المياه والكهرباء والطرق، فحتى إذا نجح الاتفاق في تثبيت الهدوء، فإن إعادة الحياة إلى طبيعتها ستحتاج إلى سنوات من العمل والإعمار، وهو ما يجعل كثيرين ينظرون إلى الوعود باعتبارها بداية طويلة وليست نهاية للأزمة.
وأيضا، لا يقتصر القلق على الجوانب المعيشية، بل يشمل أيضاً مستقبل الإدارة المدنية والخدمات العامة، إذ يتساءل كثير من السكان عن كيفية إدارة المرحلة المقبلة، ومن سيتولى إعادة الإعمار، وكيف سيتم توفير التمويل اللازم، وما إذا كانت الخلافات السياسية ستعرقل أي خطوات لتحسين الأوضاع الإنسانية.
وفي الوقت ذاته، يبدو أن الأولوية بالنسبة لمعظم الأسر لم تعد مرتبطة بالشعارات السياسية، وإنما بتأمين الاحتياجات الأساسية، فالعائلة التي فقدت منزلها تبحث عن مأوى، والمريض يبحث عن دواء، والطالب يريد العودة إلى مدرسته، والعامل يبحث عن فرصة عمل، وهي مطالب يومية لا يمكن تأجيلها بانتظار التسويات السياسية.
كما أن استمرار حالة عدم اليقين قد يسهم في زيادة الضغوط النفسية والاجتماعية على السكان، خاصة بعد أشهر طويلة من الحرب والنزوح والخسائر البشرية، فغياب رؤية واضحة للمستقبل يجعل استعادة الشعور بالأمان أكثر صعوبة، حتى في حال تراجع العمليات العسكرية.
ومن الواضح أن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لجميع الأطراف، لأن نجاح أي اتفاق لن يقاس بعدد البيانات الصادرة أو الاجتماعات المنعقدة، بل بمدى قدرته على تحسين حياة المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وخلق ظروف تسمح بعودة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها.
كما قد تكون الثقة هي العنصر الأكثر غياباً في هذه المرحلة، فسنوات الصراع جعلت كثيراً من سكان غزة لا يمنحون ثقتهم بسهولة لأي وعود جديدة، وأصبح الحكم لديهم قائماً على النتائج لا التصريحات، فكل خطوة عملية على الأرض قد تعيد جزءاً من هذه الثقة، بينما قد يؤدي أي تعثر جديد إلى تعميق حالة الإحباط.
وفي النهاية، يبدو أن سكان غزة لا ينتظرون خطابات جديدة بقدر ما ينتظرون تحولاً حقيقياً في واقعهم اليومي، فالاتفاقات قد تفتح باب الأمل، لكنها وحدها لا تكفي، لأن المواطن الذي أنهكته الحرب لن يقتنع إلا بما يراه بعينيه، وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس: ماذا يتضمن الاتفاق؟، بل: متى يشعر سكان غزة بأن حياتهم بدأت تتغير بالفعل؟
أمينة خليفة






