تتواصل الضربات الأميركية والإسرائيلية على عدد من المدن الإيرانية، فيما تردّ طهران بقصف متكرر لمنطقة تل أبيب الكبرى بموجات من الصواريخ، و مع اتساع رقعة التوتر لتطال أكثر من ساحة خليجية فالواضح أن رقعة الاشتباك تكبر تدريجيًا، غير أن مآلات المواجهة لا تزال مفتوحة على احتمالات متعددة، وصورتها النهائية لم تتشكل بعد.
رغم سيل التصريحات، لا تزال الخطة الأميركية غير واضحة وتطرح سيلا آخرا من التساؤلات .. هل يقتصر الهدف على تحييد البرنامج النووي الإيراني، أم يتعداه إلى إضعاف الدولة وتقليص نفوذها الإقليمي، وربما إسقاط النظام؟ والأهم: هل لدى واشنطن تصور لليوم التالي، أم أن الأولوية تنحصر في إزالة التهديد وترك بقية التعقيدات لمعادلات مفتوحة؟ تجارب المنطقة تقول إن إسقاط خطرٍ ما لا يعني تلقائيًا إنتاج استقرار، وأن الفراغ، إذا لم يُحسن التعامل معه، يتحول سريعًا إلى مصدر فوضى جديدة ودواعش جدد و قراصنة تسيطر على مضيق هرمز ؟
النظام في طهران ليس مجرد سلطة طالت إقامتها، بل مشروع سياسي وأمني تشكّل على مدى أربعة عقود، أحكم قبضته في الداخل ووسّع نفوذه خارج الحدود. لم يكتفِ بإدارة الدولة، بل جعل من حضوره الإقليمي جزءًا من هويته ووظيفته، حتى صار عنصرًا ثابتًا في معادلات الصراع العربي-الإقليمي.
من هنا يمكن فهم لماذا تبدو اللحظة مفصلية. ما يجري اليوم لا يتعلق بملف واحد أو خلاف محدود، بل يمسّ موقع إيران ودورها الذي تشكّل طوال عقود في المنطقة وهذا يعني ان احتمالات سقوط نظام الملالي لن تنعكس على الداخل الإيراني فحسب، بل سيهز شبكة النفوذ والتحالفات التي ارتبطت به، ويفرض إعادة نظر واسعة في توازنات استقرت لسنوات.
في الداخل الإيراني، تبدو اللحظة مربكة، فالعدوان الخارجي يصعب توصيفه على أنه دعم خارجي وهو يضيق المجال العام ويمنح السلطة ذريعة إضافية لاستمرار قبضته وهنا يبرز التساؤل المهم : هل يملك الشارع هامشًا حقيقيًا للتحرك في هذا الظرف؟ أم أن أي احتجاج سيُفسَّر فورًا على أنه اصطفاف مع خصم تقليدي ؟ بين رغبة واضحة في التغيير وخشية من الاتهام بالخيانة العظمى، تتعقد الحسابات، ويصبح قرار النزول إلى الشارع مكلفًا سياسيًا وشخصيًا في آن واحد.
على صعيد اقليمي وبالأخص في لبنان، فيبدو المشهد أكثر حساسية بالنسبة لحزب الله، الذي يجد نفسه اليوم أضعف مما كان عليه في مراحل سابقة. فالحزب لا يواجه فقط احتمال اهتزاز داعمه الإقليمي، بل يواجه أيضًا دولة لبنانية تحاول إعادة فرض منطق الدولة ومؤسساتها، وتبحث علنًا عن دعم خارجي لتعزيز هذا المسار. الرسالة التي بدأت تُقال بوضوح أكبر هي أن قرار السلم والحرب يجب أن يبقى بيد الدولة، وأن السلاح يجب أن يكون حصرًا في يد مؤسساتها الشرعية. في هذا السياق قد يجد حزب الله نفسه أمام خيارين صعبين: إما التكيف مع معادلة الدولة والاندماج في إطارها السياسي، أو الدخول في مواجهة داخلية قد تدفع لبنان إلى مرحلة شديدة الخطورة.
ومع تصاعد الهجمات على السفن في البحر الأحمر وتهديد سلاسل الشحن والإمداد الدولية خلال حرب اكتوبر 2023، لم يعد الملف اليمني يُنظر إليه كصراع محلي فقط، بل كقضية تمس أمن التجارة العالمية. في هذا السياق، لا يُستبعد أن تفكر الولايات المتحدة وشركاؤها في توسيع نطاق الضغط أو التدخل لاحتواء هذا التهديد، ما قد يفتح فصلًا جديدًا في الصراع اليمني يتجاوز حدوده الداخلية.
بالنسبة لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، يبدو المشهد أكثر تعقيدًا. فالحركتان خرجتا أصلًا من حرب مدمرة بخسائر بشرية وعسكرية كبيرة، ومع أي اهتزاز جدي في طهران سيجدان نفسيهما أمام معضلة حقيقية. فالدعم الإيراني لم يكن سياسيًا فقط، بل شمل التمويل والتكنولوجيا والخبرة العسكرية. غياب هذا الدعم يعني عمليًا تضييق هامش الحركة إلى حد كبير. عندها لن يكون التحدي في مواجهة إسرائيل فقط، بل في الحفاظ على البنية التنظيمية نفسها: تمويل، تسليح، تدريب، وحتى القدرة على دفع رواتب المقاتلين واستمرار شبكات الدعم. في مثل هذا الواقع، قد تجد الحركتان نفسيهما أمام مرحلة مختلفة تمامًا عمّا عرفتاه خلال السنوات الماضية.
في المقابل، تتصاعد مخاوف من أن يتحول سقوط إيران إلى فرصة لإسرائيل لتوسيع نفوذها أو لإحياء تصورات أيديولوجية قديمة حول إعادة تشكيل الجغرافيا، لكن هذه الهواجس تصطدم بوقائع صلبة: التوازنات الدولية، وحسابات الردع، وتشابك المصالح الكبرى. إعادة رسم المنطقة ليست قرارًا أحاديًا، ولا تُنجز تحت غبار المعارك وحده.
بين احتمال الفوضى واحتمال إعادة ترتيب المشهد، يبقى المؤكد أن أي تغيير في طهران سيطلق سلسلة تحولات لا يمكن ضبطها بسهولة. قد يخفف من حدة الاستقطاب الإقليمي ويفتح نافذة لمسار سياسي مختلف، إذا توفرت إرادة حقيقية لدى الأطراف المعنية، بما فيها إسرائيل، للانتقال من إدارة الصراع إلى البحث عن تسويات. وفي المقابل، قد يؤدي غياب الرؤية والتفاهمات إلى فراغ سياسي وأمني يوسع دائرة عدم الاستقرار بدل أن يقلصها. النتيجة لن تتحدد بلحظة السقوط نفسها، بل بكيفية إدارة ما بعدها.
تبقى في ختام هذا المشهد أسئلة أخرى مشروعة لا يمكن تجاهلها: هل تسعى واشنطن فقط إلى منع تهديد مباشر يأتي من راعي محور الشر في الشرق الأوسط، أم إلى تثبيت موقعها في معادلة النفط والممرات الحيوية؟ وإذا كانت الحسابات تتصل بأمن الإمدادات، فهل تقف حدودها عند الخليج، أم تمتد لاحقًا إلى ساحات أخرى ؟ .




