رغم التصعيد العسكري الأخير، لم تتوقف الجهود الدبلوماسية الرامية إلى منع انهيار التفاهم الأمريكي الإيراني. فقد كثفت قطر وباكستان، إلى جانب تركيا ومصر والسعودية، اتصالاتها مع واشنطن وطهران في محاولة لاحتواء الأزمة وإعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات قبل أن تتوسع دائرة المواجهة.
وتشير هذه التحركات إلى أن العواصم الإقليمية لا تزال ترى أن الاتفاق لم يفقد فرصه بالكامل، وأن التصعيد العسكري قد يكون جزءًا من مرحلة ضغط متبادل أكثر منه إعلانًا عن نهاية المسار الدبلوماسي.
اتفاق هش… لكنه لم يمت بعد
ورغم إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن مذكرة التفاهم بين بلاده وإيران “انتهت” عقب الهجمات الأخيرة في مضيق هرمز، فإن مصادر دبلوماسية تؤكد أن الإدارة الأمريكية لا تزال تفضل العودة إلى المسار التفاوضي إذا توقفت الاستفزازات الإيرانية.
فالهدف الأساسي لواشنطن، بحسب مسؤولين أمريكيين، يبقى ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز ومنع طهران من استخدامه كورقة ضغط، مع تجنب الانزلاق إلى حرب واسعة قد تعيد المنطقة إلى دوامة عدم الاستقرار.
وترى الدول الوسيطة أن جولات التفاوض السابقة حققت تقدمًا في عدد من الملفات الفنية، الأمر الذي يجعل الحفاظ على قنوات الاتصال أكثر جدوى من البدء من نقطة الصفر.
هل تتحرك “الدولة العميقة” داخل إيران؟
ومن بين أكثر التفسيرات تداولًا في أوساط الوسطاء، أن الهجمات الأخيرة قد لا تعكس قرارًا موحدًا داخل النظام الإيراني، بل ربما جاءت نتيجة تحركات من أطراف متشددة تعارض أي تقارب مع الولايات المتحدة وتسعى إلى إفشال مذكرة التفاهم.
ولا توجد مؤشرات علنية تؤكد هذه الفرضية، لكنها تعكس إدراكًا لدى الوسطاء بأن مراكز صنع القرار داخل إيران ليست دائمًا كتلة واحدة، وأن الصراع بين التيارات المختلفة قد ينعكس مباشرة على مسار التفاوض.
هدوء حذر… بانتظار القرار السياسي
وبعد يومين من تبادل الضربات، بدا المشهد أكثر هدوءًا. إذ لم تنفذ الولايات المتحدة أي عمليات عسكرية جديدة، وهو ما اعتبرته مصادر أمريكية نتيجة مباشرة لجهود خفض التصعيد التي تقودها الدول الوسيطة.
كما عقد الرئيس دونالد ترامب اجتماعًا مع فريق الأمن القومي لبحث الخيارات المتاحة، قبل أن تؤكد الإدارة الأمريكية استمرار الاتصالات الفنية المتعلقة بالاتفاق النووي، في إشارة إلى أن القنوات الدبلوماسية لم تغلق بالكامل.
لكن واشنطن شددت في الوقت نفسه على أن استمرار التفاوض مرهون بسلوك إيران، معتبرة أن استهداف السفن التجارية يمثل خرقًا واضحًا للتفاهمات القائمة، وأن أي اتفاق مستقبلي سيبقى مرتبطًا بما وصفته بـ”أداء إيران على الأرض” وليس بالتصريحات السياسية وحدها.
الدبلوماسية في سباق مع الميدان
تكشف التحركات الأخيرة أن الصراع لم يعد يدور فقط بين الصواريخ والطائرات، بل أيضًا بين غرف العمليات العسكرية وغرف التفاوض. فكلما نجح الوسطاء في تثبيت التهدئة، ازدادت فرص إحياء الاتفاق النووي، وكلما عاد التوتر إلى مضيق هرمز، تقلصت مساحة المناورة السياسية.
ولهذا تبدو الأسابيع المقبلة حاسمة؛ فإما أن تنجح الوساطات في إعادة بناء الثقة بين الطرفين، أو تتحول الهدنة التي صمدت لأسابيع إلى مجرد محطة قصيرة سبقت جولة جديدة من التصعيد العسكري.






