في خطوة خالفت توقعات الأسواق والشركات الروسية، قرر بنك روسيا خفض سعر الفائدة الرئيسي بشكل محدود من 14.5% إلى 14.25% فقط، رغم تباطؤ الاقتصاد وتزايد الضغوط على قطاع الأعمال.
ورغم أن القرار يمثل استمراراً لمسار التيسير النقدي، فإن الرسالة التي أرسلها البنك المركزي كانت مختلفة تماماً: التضخم لا يزال يشكل الخطر الأكبر، والحرب باتت تفرض أعباء متزايدة على الاقتصاد الروسي.
وتشير تصريحات رئيسة البنك المركزي إلفيرا نابيولينا إلى أن موسكو لا ترى مجالاً واسعاً لخفض أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة، بسبب استمرار الضغوط المالية وارتفاع الإنفاق الحكومي.
كيف أصبحت الحرب مشكلة اقتصادية؟
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تمكن الاقتصاد الروسي من الصمود بفضل عائدات الطاقة والإنفاق الحكومي الضخم.
لكن بعد أكثر من أربع سنوات من المواجهة، بدأت كلفة الحرب تظهر بشكل أكثر وضوحاً داخل الاقتصاد.
فالحكومة تضخ تريليونات الروبلات في المجهود العسكري، بينما تتراجع قدرة القطاعات المدنية على النمو بسبب نقص العمالة وارتفاع تكاليف التمويل والعقوبات الغربية المستمرة.
ومع اتساع العجز في الميزانية، تواجه السلطات الروسية معضلة صعبة بين مواصلة الإنفاق العسكري ومحاولة السيطرة على التضخم.
أزمة الوقود تكشف هشاشة جديدة
العامل الأكثر إزعاجاً للكرملين خلال الأشهر الأخيرة كان اضطراب سوق الوقود.
فالهجمات الأوكرانية المتكررة بالطائرات المسيرة على المصافي والبنية التحتية النفطية أدت إلى انخفاض الإنتاج وظهور نقص في البنزين داخل عدد من المناطق الروسية.
وبدأت بعض محطات الوقود في تطبيق قيود على المبيعات، بينما سجلت الأسعار ارتفاعات ملحوظة في عدة مدن، خاصة في منطقة موسكو.
ويحذر البنك المركزي من أن ارتفاع أسعار الوقود لا يقتصر تأثيره على قطاع النقل فقط، بل يمتد إلى مختلف القطاعات الاقتصادية بسبب ارتباطه المباشر بتكاليف الإنتاج والخدمات.
الطائرات المسيرة تغير قواعد الحرب
خلال السنوات الأولى من الحرب، ركزت روسيا على استهداف البنية التحتية الأوكرانية، لكن كييف طورت تدريجياً استراتيجية مختلفة تقوم على ضرب العمق الروسي باستخدام الطائرات المسيرة بعيدة المدى.
وأصبحت المصافي ومستودعات الوقود وخطوط الإمداد النفطية أهدافاً متكررة لهذه الهجمات.
ويبدو أن هذه الاستراتيجية بدأت تؤتي ثمارها اقتصادياً، إذ لم تعد آثار الحرب محصورة في ساحات القتال، بل أصبحت تنعكس على الأسعار والإنتاج وحياة المواطنين داخل روسيا نفسها.
الشركات الروسية تطالب بالتدخل
لم يعد القلق مقتصراً على خبراء الاقتصاد.
فمنظمات أصحاب العمل والشركات الكبرى تطالب السلطات بتخفيض أكبر لأسعار الفائدة لمساعدة الاقتصاد على مواجهة التباطؤ.
وترى الشركات أن تكلفة الاقتراض المرتفعة تحد من الاستثمار وتعرقل التوسع الإنتاجي، بينما تضطر بعض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى تقليص نشاطها أو إغلاق أبوابها.
كما بدأت بعض المجموعات الصناعية الكبرى في تقليص العمالة وطلب دعم إضافي من الدولة لمواجهة الظروف الاقتصادية الصعبة.
هل يقترب الاقتصاد الروسي من الركود؟
تشير المؤشرات الاقتصادية إلى تباطؤ واضح في النشاط الاقتصادي.
فقد سجل الاقتصاد الروسي أول انكماش فصلي منذ سنوات، في وقت تتراجع فيه معدلات النمو مقارنة بالفترة التي شهدت طفرة مدفوعة بالإنفاق العسكري.
ورغم أن الكرملين يرفض الحديث عن أزمة اقتصادية، فإن عدداً متزايداً من الخبراء يحذرون من أن استمرار الضغوط الحالية قد يدفع الاقتصاد نحو مرحلة ركود طويلة إذا لم يتم احتواء التضخم وتحسين بيئة الاستثمار.
بين التضخم والحرب
تكشف الأزمة الحالية عن المعضلة الأساسية التي تواجه صناع القرار في موسكو.
فخفض أسعار الفائدة قد يساعد الشركات ويحفز النمو، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى زيادة التضخم في ظل الإنفاق العسكري المرتفع.
أما الإبقاء على معدلات فائدة مرتفعة فيحافظ على الاستقرار النقدي نسبياً، لكنه يضغط على النشاط الاقتصادي ويزيد معاناة الشركات.
ولهذا يبدو أن البنك المركزي يفضل حالياً إعطاء الأولوية لمحاربة التضخم حتى لو جاء ذلك على حساب النمو الاقتصادي.
هل تستطيع روسيا تحمل الكلفة؟
لا يزال الاقتصاد الروسي يمتلك موارد كبيرة وقدرة على التكيف مع العقوبات والضغوط الخارجية.
لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن كلفة الحرب أصبحت أكثر وضوحاً وتأثيراً مما كانت عليه في السنوات السابقة.
فالعجز المالي يتسع، وأسعار الوقود ترتفع، والشركات تشتكي من نقص السيولة، فيما تتزايد الهجمات التي تستهدف البنية التحتية للطاقة.
وفي ظل هذه المعطيات، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الحرب تؤثر على الاقتصاد الروسي، بل إلى أي مدى يمكن لموسكو الاستمرار في تحمل هذه الكلفة المتزايدة دون أن تنعكس بصورة أعمق على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي داخل البلاد.




