دخل الملف النووي الإيراني مرحلة جديدة من التعقيد، بعدما أعلنت إيران رفضها السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول المنشآت النووية التي تعرضت لأضرار جراء الضربات الأميركية والإسرائيلية، في خطوة من شأنها أن تثير تساؤلات واسعة بشأن مستقبل الرقابة الدولية على البرنامج النووي الإيراني ومسار التفاهمات الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة.
وأكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن بلاده لا تنوي عقد اجتماعات مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية في الوقت الراهن، كما لا تخطط للسماح بعمليات تفتيش للمواقع التي تضررت نتيجة ما وصفه بـ«العدوان العسكري الأميركي والصهيوني»، مشدداً على أن هذه المنشآت ستبقى خارج نطاق الزيارات الدولية خلال المرحلة الحالية.
تناقض مع تصريحات فانس
وجاء الموقف الإيراني ليتعارض بشكل مباشر مع التصريحات التي أدلى بها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس عقب المحادثات الأميركية الإيرانية التي استضافتها سويسرا مؤخراً، حيث أكد أن الجانبين توصلا إلى تفاهم يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة مواقع إيرانية في إطار إجراءات الرقابة والتحقق.
ويعكس التباين بين التصريحات الأميركية والإيرانية استمرار حالة الغموض التي تحيط بنتائج المحادثات الأخيرة، خاصة في ظل غياب إعلان رسمي مشترك يحدد طبيعة الالتزامات التي تم التوصل إليها بين الطرفين.
ورغم قيام مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارات متفرقة إلى إيران خلال الفترة الماضية، فإن المواقع الرئيسية الخاصة بتخصيب اليورانيوم التي تعرضت للاستهداف خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في عام 2025، ظلت خارج نطاق التفتيش المباشر.
وتعتبر هذه المواقع من أكثر النقاط حساسية في البرنامج النووي الإيراني، إذ ترى القوى الغربية أن الوصول إليها يمثل شرطاً أساسياً للتحقق من طبيعة الأنشطة النووية الإيرانية ومستوى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية النووية عقب العمليات العسكرية.
مخاوف دولية من تراجع الشفافية
ويرى مراقبون أن قرار إيران قد يؤدي إلى تصاعد المخاوف الدولية بشأن مستوى الشفافية النووية، خصوصاً أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تعتمد بشكل كبير على عمليات التفتيش الميدانية لتقييم الأنشطة النووية والتأكد من التزام الدول الأعضاء بالمعايير والاتفاقيات الدولية.
كما قد يفتح القرار الباب أمام جولة جديدة من الضغوط السياسية والدبلوماسية داخل المؤسسات الدولية، خاصة إذا اعتبرت القوى الغربية أن منع المفتشين يعرقل جهود التحقق من الوضع الحقيقي للمنشآت النووية الإيرانية بعد تعرضها للقصف.
ويأتي هذا التطور بعد ساعات من إعلان إيران اختتام المحادثات الفنية التي جرت في سويسرا مع الجانب الأميركي، والتي هدفت إلى بحث آليات تنفيذ التفاهمات السياسية الأخيرة وتخفيف حدة التوتر بين البلدين.
ورغم الأجواء التي وصفت بالإيجابية خلال المباحثات، فإن ملف التفتيش النووي يبدو أنه لا يزال يشكل إحدى أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين، في ظل تمسك طهران باعتبارات السيادة والأمن القومي، مقابل إصرار واشنطن والدول الغربية على ضمان وصول المفتشين إلى المواقع الحساسة.
رد إيراني ساخر على الطروحات الأميركية
وفي سياق متصل، رد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية على تساؤلات تتعلق بإمكانية شراء بلاده منتجات زراعية أميركية خلال المرحلة المقبلة، مؤكداً أن قرار الاستيراد سيعتمد على معايير الأسعار والجودة.
وأضاف بقائي في تصريحات حملت نبرة ساخرة أن الهدف المعلن للحرب كان تدمير الحضارة الإيرانية وإسقاط الدولة الإيرانية، قبل أن تتحول النقاشات الآن – بحسب وصفه – إلى الحديث عن دعم المزارعين الأميركيين وتعزيز صادراتهم إلى إيران.
اختبار جديد للاتفاق المؤقت
وتضع التطورات الأخيرة الاتفاقات المؤقتة التي جرى التوصل إليها بين واشنطن وطهران أمام اختبار صعب، إذ إن استمرار الخلاف بشأن صلاحيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد يعرقل أي خطوات لاحقة نحو بناء الثقة بين الجانبين.
ومع تمسك إيران بموقفها الرافض للتفتيش في المواقع المتضررة، وتمسك الولايات المتحدة بضرورة استمرار الرقابة الدولية، يبدو أن الملف النووي سيبقى أحد أكثر الملفات تعقيداً على الساحة الدولية خلال الفترة المقبلة، وسط ترقب عالمي لما ستسفر عنه الجولات الدبلوماسية القادمة بين الطرفين.




