تكشف الأرقام الصادرة عن وزارة التنمية الاجتماعية في قطاع غزة عن ملامح أزمة إنسانية متفاقمة تتجاوز حدود النقص المؤقت في المساعدات إلى ما يمكن وصفه بمرحلة “المجاعة الصامتة”، حيث يتقاطع تراجع تدفق الإغاثة مع الانهيار المستمر للبنية الخدمية والاقتصادية في القطاع.
الفجوة الكبيرة بين الاحتياجات الفعلية وما يدخل من مساعدات تعكس واقعاً بالغ الخطورة، خاصة مع اعتماد مئات الآلاف من الأسر بشكل شبه كامل على الإغاثة الإنسانية كمصدر أساسي للبقاء، وفي ظل تراجع كميات الغذاء والوقود والدواء، وتعطل العديد من المؤسسات الإنسانية والخدمات الأساسية، تتسع دائرة الفقر والجوع والعطش.
تراجع حاد وخطير في تدفق المساعدات الإنسانية
وتتزايد المخاوف من تداعيات صحية واجتماعية قد تمتد آثارها لسنوات. هذه المعطيات تضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمسؤولياته الإنسانية والقانونية، في وقت بات فيه إنقاذ المدنيين من خطر الجوع والمرض لا يقل إلحاحاً عن حمايتهم من ويلات الحرب.
قطاع غزة يمر بمرحلة حرجة جراء تراجع حاد وخطير في تدفق المساعدات الإنسانية خلال الأشهر الأخيرة، كما يوصف الوضع الحالي بـ”مجاعة صامتة” تتوسع تدريجيا، فضلا عن أن الموت لا يحدث فقط بالقصف، بل عبر الاستنزاف البطيء للقدرة على الحصول على الغذاء والمياه والخدمات الأساسية، حسب تصريحات المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية عزيزة الكحلوت، لوكالة شهاب.
“الكحلوت” كشفت بالأرقام أن إجمالي شاحنات المساعدات التي دخلت القطاع منذ بداية عام 2026 وحتى نهاية مايو الماضي بلغ نحو 14,242 شاحنة فقط، بناءً على بيانات الهيئة العامة للمعابر، مشيرة إلى أن المفترض دخوله كان يقارب 45 ألف شاحنة وفق التفاهمات التي تنص على إدخال 600 شاحنة يومياً، مما يعني أن ما دخل فعلياً لا يتجاوز ثلث الاحتياج المقرر.
انخفاض غير مسبوق في تدفق الشاحنات
وأظهرت المتحدثة باسم وزارة التنمية الاجتماعية، التراجع الشهري المستمر بالأرقام، حيث انخفضت الشاحنات من 4,295 شاحنة في يناير، إلى 2,814 شاحنة في فبراير، ثم تراجعت إلى 2,545 شاحنة في مارس الماضي. واستمر الهبوط في شهر أبريل لتسجل المعابر دخول 2,189 شاحنة فقط، قبل أن ترتفع بفارق ضئيل جداً في شهر مايو لتصل إلى 2,399 شاحنة مساعدات.
وحذرت المتحدثة من أن الأيام الأولى من شهر يونيو الجاري شهدت انخفاضاً غير مسبوق، حيث دخلت 26 شاحنة مساعدات فقط خلال خمسة أيام، مع منع دخول أي شاحنات طوال أيام عيد الأضحى، مشيرة إلى أن هذه الأرقام الشحيحة لا تكفي بتاتاً لتغطية احتياجات مئات الآلاف من الأسر في القطاع، والتي باتت تعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية للبقاء.
وعلى صعيد الحركة التجارية والإنسانية العامة عبر المعابر، بينت الكحلوت أنه دخل خلال الفترات الأخيرة 1,287 شاحنة فقط من أصل 4,200 شاحنة مفترضة، بنسبة التزام لم تتجاوز 30%. وشددت على أن تجليات المجاعة تظهر في الطوابير الطويلة للحصول على رغيف الخبز ومياه الشرب، وتوقف العديد من التكايا والمطابخ المجتمعية التي كانت تشكل شريان الحياة للنازحين.
استمرار القيود المفروضة على دخول الغذاء
وجود بعض السلع المحدودة بالأسواق – حسب الكحلوت – لا يعني القدرة على شرائها، في ظل ارتفاع أسعارها لمستويات قياسية، وفقدان مصادر الدخل، وانعدام السيولة لدى معظم الأسر، محذرة من التزايد المقلق لمؤشرات سوء التغذية وخاصة بين الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن والمرضى، نتيجة استمرار القيود المفروضة على دخول الغذاء والدواء والوقود إلى القطاع.
وأوضحت أن العديد من المؤسسات الدولية والإنسانية اضطرت لتقليص عملياتها أو تعليق أجزاء منها، بسبب نقص المواد الخام، ومنع دخول الوقود، والصعوبات الأمنية واللوجستية، فضلا عن أن الوقود الوارد سجل مؤشراً خطيراً، إذ لم يدخل خلال إحدى الفترات الأخيرة سوى 35 شاحنة محروقات فقط، منها 7 شاحنات غاز تجاري و28 شاحنة سولار للمؤسسات.




